دعــاوى الحــــيازة

دعــاوى الحــــيازة

بقلم الباحث: عبد الالاه صاعو

باحث في قانون العقود والعقار


نظم المشرع الحيازة على نحو يدل على مدى أهميتها، فاعتد بالحيازة في ذاتها متى توافرت لها الشروط التي تطلبها، وأوجب حمايتها ولو ادعى الغير بملكيته للعين محل الحيازة وجعل منها قرينة على ملكية الحائز، وإن كانت قرينة قانونية بسيطة إلا أن الحائز يستفيد منها إذ لا يتحمل عبء إثبات ملكيته التي تشهد القرينة بها وإنما يلقي بعبء الإثبات على خصم الحائز هذا وقد جعل الحيازة تخضع لحماية مدنية عدد فيها أنواع الدعاوى التي يلجأ إليها الحائز لحماية حيازته.

ويقصد بدعاوى الحيازة تلك الدعاوى التي يراد بها صيانة حق الحائز الظاهر حفاظا على الاستقرار في استغلال الأملاك والاستفادة منها، وذلك حماية للنظام العام في المعاملات وعلى من يدعي حقا ما على عقار أن يلتجئ إلى القضاء لعرض نزاعه في إطاره[1].
وكما هو معلوم أن الحيازة منظمة بمقتضى القواعد الإجرائية ويتعلق الأمر بقانون المسطرة المدنية[2].
وقد حدد المشرع ميعادا لرفعها حتى يستفيد الحائز من مدة حيازته السابقة على سلب الحيازة منه، وتتمثل هذه الحماية المدنية في ثلاث دعاوى تنحصر في دعوى منع التعرض، دعوى وقف الأعمال الجديدة ودعوى استرجاع الحيازة وجعل الدعويين الأخيرين من اختصاص قاضي الأمور المستعجلة ينظر فيها متى توافرت شروط اختصاصه، بالإضافة إلى الحماية المدنية قد وفر حماية جنائية تجمع بين حماية النيابة العامة لها وبين حماية القضاء الزجري.[3]
 وهذا في الحالات التي ينص عليها المشرع في قانون المسطرة الجنائية[4] والقانون الجنائي[5] سواء تلك المنصبة على العقارات أو المنقولات والتي بلغت درجة الجريمة، فكان الهدف من هذه الحماية هو تفادي إقامة الحائز للعدل بنفسه مما يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام. وعدم استقرار الأوضاع والمراكز في المجتمع.
وتتجلى أهمية هذا الموضوع فيما تثيره الحيازة من إشكالات سواء في الشق النظري أو العملي، فعلى المستوى النظري نجد أن النصوص المؤطرة للحيازة تطرح مجموعة من الإشكالات التي يتعين إيجاد حل لها.
أما على المستوى العملي فتتجلى أهمية هذا الموضوع فيما تتعرض له الحيازة من غصب وتعرض من قبل الآخرين مما يفرض علينا البحث في الحماية التي وفرها المشرع للحائز.
ومن هنا يمكننا طرح بعض التساؤلات التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الموضوع  وهي:
  • ما هي صور وشروط ممارسة دعوى الحيازة؟ وما هي مظاهر الحماية القضائية لهذه الدعوى؟
وللإجابة على هذه الإشكالية وتحليل الموضوع ارتأينا تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين:
 المبحث الأول:الأساس القانوني لدعاوى الحيازة
المبحث الثانـي:  الحماية القضائية للحيازة

المبحث الأول: الأساس القانوني لدعاوى الحيازة

تتمثل الحماية التي وفرها المشرع المغربي للحائز حسن النية فيما تطلبه من شروط لممارسة دعاوى الحيازة منها ما يتعلق بالحيازة ذاتها كوضع اليد والتصرف في العقار ونسبة الملك للحائز وعدم منازعة الأغيار له فيه وذلك طيلة المدة المحددة للحيازة قانونا، ومنها ما يتعلق بالدعوى التي تحميها كرفعها داخل المدة المحددة قانونا وكذا عدم إمكانية الجمع بينها وبين دعوى الملكية وهذا ما سنتطرق اليه في(المطلب الأول)، على ان نتناول صور دعاوى الحيازة في (المطلب الثاني).

المطلب الأول: شروط ممارسة دعوى الحيازة

إن دعوى الحيازة لا تقبل إلا بتوفر شروطها مجتمعة، وهي شروط واردة في القانون الإجرائي تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها، لأن القواعد الإجرائية قواعد آمرة ترتبط بالنظام العام، وفي إطار الحديث عن هذه الشروط ارتأينا أن نتعرض للشروط المطلوبة في الحيازة (الفقرة الأولى) على أن نتناول الشروط المطلوبة في الدعوى( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الشروط المطلوبة في الحيازة

إن شروط الحيازة كما حددتها المادة 240[6] من م ح ع[7] هي:
أولا: وضع اليد:
من شروط الحيازة أن يكون الحائز واضعا يده على الملك، ويقصد بوضع اليد على الشيء المحوز تلك السيطرة الفعلية والواقعية عليه، فوضع اليد هو مجرد الحوز بنية التملك، وبذلك تخرج الحيازة العرضية من هذا الإطار لأنها لا تثبت الملك كالكراء والعارية وغيرها من الأعمال التي تبيح الحوز مؤقتا[8].
وإذا كان المشرع يفترض في وضع اليد على العقار أنه حائز لنفسه إلى أن يثبت العكس[9]  فإنه سمح بأن يباشر الشخص الحيازة بواسطة الغير الذي يأتمر بأمره وهذا ما أكده في الفقرة الأولى من الفصل 243 من م ح ع إذ باشرها نائبه الشرعي نيابة عنه.
وقد ذهب المجلس الأعلى في قرار له إلى أن وضع اليد مقدم على غيره من الحجج[10].
ثانيا: تصرف الحائز
ويقصد به تصرف الحائز في العقار الذي بيده واستغلاله إياه، كما يتصرف المالك في ماله، وظهوره في  كل ذلك بمظهر المالك في ملكه، عملا مبنيا على أساس قانوني بطريقة علنية  لا خفاء فيها ولا التباس بالإجارة أو الحراث والفلاحة أو الغرس وجني ثمار الأشجار.
ثالثا: نسبة الملك لنفسه والناس ينسبون إليه
ويظهر أثر النسبة لنفسه في أقواله وأقوال الناس، كأن يقول الناس هذه أرض فلان (أي الحائز) ويقول هو "ملكي وحوزي"[11]. هذا ومن المستجدات التي جاءت بها مدونة الحقوق العينية ما تضمنته المادة 243 من ثبوت الحيازة للجماعات السلالية إما من طرف المنتفع إذ استغل الأرض على وجه الانفراد أو مجموعة من الأفراد إذا كانوا ينتسبون للجماعة.
رابعا: يجب أن لا ينازع الحائز في ذلك منازع
من شروط الحيازة ألا ينازع الحائز في حيازته أي منازع، وهذا الحكم تبناه المجلس الأعلى في قرار له[12] مما جاء فيه: "فإذا اعتبرت المحكمة أن هناك نزاعا في التصرف أو التباسا في الحيازة وقررت عدم قبولها له تكون قد صادفت الصواب"[13].
وقد نصت المادة 242 من م ح ع على عدم تكليف الحائز بإثبات وجه مدخله للعقار، إلا إذا أدلى المدعي بحجة قوية على أن ذلك العقار يعود إليه ملكا، وأن الحائز مجرد محتل. وهذا يدل على أن المشرع يفترض في الحائز أنه مالك للعقار الذي يحوزه إلى أن يثبت العكس.
خامسا: مرور المدة القانونية الموجبة للحيازة
ويقصد بهذا الشرط مرور المدة المقررة في القانون واستمرار وضع اليد على العقار والتصرف فيه من أجل الاعتداد بالحيازة، وفي هذه المدة يميز المشرع بين حيازة الأجانب وحيازة الأقارب.
  1. حيازة الأجانب
حسب الفصل 250 من م ح ع فإن حيازة الأجنبي غير الشريك يجب أن تستمر لمدة عشر سنوات دون انقطاع وبمرور هذه المدة بالإضافة إلى الشروط الأخرى التي سبق ورأيناها يكتسب ملكية العقار، لكن هناك من يرى بأن حيازة الأجنبي الشريك يجب أن تتسم ببعض التصرفات القوية كالهدم والبناء[14]. أما حيازة الأجنبي غير الشريك المستوفية لجميع شروطها دون انقطاع ومرور عشر سنوات كاملة وقام الحائز بالتصرف فيه مطلق التصرف، فإن هذا الأجنبي يكتسب بحيازته هذه الملكية وهو ما أكده المجلس الأعلى[15].
2- حيازة الأقارب
أولا يجب أن نشير إلى أنه لا يعتد بالحيازة الواقعة ضد الأصول والفروع مهما طالت مدتها، وهو ما تؤكده المادة 255 من م ح ع وأكده المجلس الأعلى في قرار له[16] ولا محل للحيازة كذلك في ما بين الأزواج وبين الشركاء، وبين النائب الشرعي ومن هم إلى نظره (المادة 255 م ح ع). أما بين باقي الأقارب كالإخوة والأعمام، فإن المدةحسب المادة 251 أربعين سنة لكن شرط أن لا تكون بينهم عداوة وفي حالة وجود عداوة تخفض هذه المدة لعشر سنوات. 
سادسا: عدم العلم في حالة وفاة الحائز
ومضمون هذا الشرط يتلخص في عدم علم الشهود بتفويت العقار المشهود فيه لغيره ببيع أو هبة أو صدقة أو من غير ذلك من أسباب نقل الملكية للغير[17].
ونشير في الأخير إلى أن الحيازة كوسيلة من وسائل كسب الملكية العقارية لا يعتد بها إلا بالنسبة للعقار الغير المحفظ. أما بخصوص العقار المحفظ فلا يعتد فيه بالحيازة ولو تصرف فيه الحائز بأي تصرف فهو يوصف بالمحتل للعقار بدونسند قانوني، وفي هذا السياق قضى المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار له "بأن قاضي المستعجلات مختص بطرد من يحتل عقارا محفظا دون أن يكون مسجلا باسمه في الرسم العقاري[18]. وهناك بعض العقارات التي لا يمكن أن تكتسب عن طريق الحيازة كالعقارات الحبسية وهذا ما أكده المجلس الأعلى (محكمةالنقضحاليا) في قرار له[19].
هذا فيما يخص شروط الحيازة كما ذكرها المشرع لكن ماذا عن شروط الدعوى التي تحمي الحيازة؟
الفقرة الثانية: شروط دعوى الحيازة
يجب إقامة دعوى الحيازة داخل أجل سنة من تاريخ الفعل المخل بالحيازة (أولا) كما لا يجوز للحائز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية (ثانيا).
أولا: شرط إقامة دعوى الحيازة داخل أجل سنة من تاريخ الفعل المخل بالحيازة
قد نص الفصل 167 من ق م م على أنه: "لا تقبل دعاوى الحيازة سواء قدمت بطلب أصلي أو بطلب مقابل إلا إذا أثيرت خلال السنة التالية للفعل الذي يخل بالحيازة.
ويتضح من خلال هذا النص أن دعوى الحيازة لا تكون مقبولة ولا تنتج أي أثر قانوني إلا إذا أثيرت داخل أجل السنة من تاريخ الاعتداء الحاصل عليها، وما يمكن أن نسجله على هذا النص هو أن مدة السنة تبتدئ من تاريخ وقوع الفعل المخل بالحيازة، وهذا ما يعاب عليه، لأن القول بهذا فيه إجحاف بحقوق الحائز الغائب، خاصة وأنه لا يمكن إلزام شخص بالبقاء قرب عقاره حتى يحول دون فوات ميعاد السنة هذه، لذلك كان على المشرع أن يجعل مدة السنة تبتدئ من تاريخ علم الحائز بهذا الاعتداء.
وهو ما تبناه المجلس الأعلى(محكمةالنقضحاليا)[20] في قرار له عندما اعتبر بأن أجل السنة يبدأ من يوم صدور الحكم الجنحي القاضي بالإدانة من أجل جنحة الترامي لا من يوم وقوع الترامي.
ومن الإشكالات التي يثيرها هذا الأجل كذلك هو ما إذا كان أجل تقادم أم أجل سقوط؟
لقد ذهب أدولف ريولط إلى القول بأن الأمر يتعلق بأجل تقادم[21] وهذا الاتجاه هو الذي تبناه المجلس الأعلى عندما اعتبر أن الأمر يتعلق بمدة تقادم[22].
في حين ذهب الأستاذ عبد العزيز حضري إلى أن أجل السنة هو أجل سقوط يؤدي مروره إلى عدم قبول دعوى الحيازة[23].
وهذا الاتجاه تبناه المجلس الأعلى عندما أقر في قرار له بأن أجل السنة لرفع دعوى الحيازة أجلا لا يخضع للإيقاف لأنه أجل سقوط[24]. والرأي فيما نعتقد أن أجل السنة يجب أن لا من تاريخ الاعتداء وإنما من تاريخ علم الحائز به ضمانا لحقوقه.وتجدر الإشارة أنه لا يجوز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية وهذا من شروط دعوى الحيازة.
ثانيا: عدم جواز الجمع بين دعوى الحيازة ودعوى الملكية
لقد ورد النص على هذا الشرط في الفصل 169 من ق م م الذي جاء فيه على أنه: "من قدم دعوى الملكية لا تقبل منه بعد ذلك دعوى الحيازة إلا إذا وقع إخلال بحيازته بعد تقديم دعوى الملكية.
والمقرر انطلاقا من مقتضيات هذا الفصل أنه لا يجوز أن يجمع المدعي في دعوى الحيازة بينها وبين المطالبة بحق الملكية وإلا سقط ادعائه بالحيازة. كما لا يجوز أن يدفع المدعي عليه في دعوى الحيازة بالاستناد إلى الحق إذا لا تقبل دعواه بالحق قبل الفصل في دعوى الحيازة وتنفيذ الحكم الذي يصدر فيها إلا إذا تخلى عن الحيازة لخصمه وكذا لا يجوز الحكم في دعوى الحيازة على أساس ثبوت الحق أو نفيه[25].
وهو ما أكده المجلس الأعلى في قرار له عندما منع قضاة الموضوع وهم يثبتون في دعاوى الحيازة أن يتعرضوا في قضائهم لموضوع الملكية أو يؤسسوا هذا القضاء على الحجج المتعلقة بها[26].
والحكمة من إيراد هذه القاعدة هو حماية الحيازة لذاتها مجردة من أصل الحق لأن القول بخلاف ذلك سيؤدي إلى التعرض لعنصر الملكية من قبل القاضي ومثل هذا الأمر سيؤدي إلى الحكم على الحائز رغم ثبوت حيازته، اعتماد على ملكية خصمه وهذا يتنافى والغرض المقصود من دعاوى الحيازة المتمثلة أساسا في رد الاعتداء وإعادة الخصوم إلى مراكزهم السابقة قبل إثارة النزاع على أصل الحق[27].
وإن كانت هذه هي القاعدة، فإن المشرع وفي نفس المادة قد أورد عليها استثناء. حين أجاز للحائز رفع دعوى الحيازة إذا وقع بها إخلال بعد تقديم دعوى الملكية، وهكذا فإذا ارتكب المدعى عليه إخلالات أثناء دعوى الملكية، جاز للمدعي أن يرفع دعوى حيازته، إذ من غير المعقول أن يحرم هذا الأخير من الدفاع عن نفسه إزاء اعتداءات خصمه أثناء المدة الطويلة التي يتطلبها الفصل في دعوى الملكية[28].
المطلب الثاني: صور دعاوى الحيازة
خصص المشرع المغربي في الفصول من 166- 170 من قانون المسطرة المدنية لدعاوى الحيازة، لكن رغم ذلك لم يشر بشكل واضح إلى أنواع دعاوى الحيازة مكتفيا بالإشارة إلى الشروط العامة والخاصة المتطلبة لممارستها، وقد أجمع الفقه ومعه القضاء على أن دعاوى حماية الحيازة تنقسم إلى ثلاث أصناف وهذا ما سنتطرق له في هذا المطلب، حيث سنتطرق لدعوى منع التعرض (الفقرة الأولى) ثم نتعرض لدعوى وقف الأعمال ودعوى استرداد الحيازة في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: دعوى منع التعرض
تعتبر دعوى منع التعرض من الدعاوى الحيازية التي يقيمها حائز العقار أو الحق في العقار لمنع غيره من الاعتداء عليه والتعرض له بأي عمل مادي يتضرر منه كحرث الأرض التي في يده مثلا[29].
والتعرض هو كل عمل مادي مباشر أو غير مباشر أو كل إجراء قانوني يعكر صفو الحيازة أو يعرقلها، ولو لم يترتب عن ذلك أي ضرر للحائز.
ويمكن التمييز في التعرض بين تعرض مادي وتعرض قانوني:
فالتعرض المادي يتم بأي فعل مادي يتوافر به الاعتداء على العين فيحرم الحائز من الانتفاع بها كليا أو جزئيا كالقيام بسلب الأرض أوحرثها أو إحداث حفر فيها أو طريق المرور بها أو قطع الأشجار أو غرسها إلى غير ذلك… بينما يكون التعرض قانونيا بكل إجراء قانوني يؤدي في الغالب إلى قيام الخصومة أو يمهد لها كالإنذارات والتصرفات في العقار الذي ينطوي على إنكار الحيازة، ويعتبر تنفيذ الحكم إذا تعلق بعقار في حيازة شخص لم يكن طرفا في الحكم ولو كان هذا الشخص يملك الطعن في الحكم بطريق التعرض الخارج عن الخصومة[30].والهدف من هذه الدعوى واضح على اعتبار أنها تهدف إلى حماية الحائز حسن النية، وذلك بمنع غيره من التعرض له ماديا أو قانونيا.
وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة توجيه دعوى الاستحقاق ضد الحائز يجب على المحكمة عدم قبول دعوى منع التعرض، لأن دعوى الاستحقاق لا تعتبر تعرضا قانونيا[31].
غير أنه يطرح التساؤل حول مدى أحقية رفع دعوى منع التعرض من طرف كل من صاحب حق الانتفاع وصاحب حق الارتفاق والمرتهن برهن حيازي؟
يجيبنا على هذا التساؤل الأستاذ مصطفى مجدي هرجة باعتبار هؤلاء جميعا حائزون عرضيون بالنسبة إلى حق الملكية، لذلك لا يجوز لهم رفع دعوى منع التعرض وذلك راجعلأنهم يحوزون هذا الحق لحساب غيرهم وهو الذي يعتبر حائز لحق الملكية لحساب نفسه ويباشر السيطرة المادية على العقار بواسطة هؤلاء، وإنما يجوز لكل صاحب حق الانتفاع وصاحب حق الارتفاق والمرتهن رهن حيازي، وللمستأجر أن يرفع دعوى منع التعرض إذا وقع التعرض على الحق الذي يباشر استعماله لحساب نفسه فهو أصل في حيازته ويحوزه لحساب نفسه لا لحساب المالك[32].
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا ثبت وضع اليد على العقار المدعى فيه لأحد الأطراف بحكم أو غيره فإن ذلك يرتب أثره القانوني في الدعوى، حتى ولو كانت حيازته غير هادئة أو مكسبة للملك، وعليه إذا ثبت للمحكمة أن المتعرض على مطلب التحفيظ هو واضع اليد على العقار المطلوب تحفيظه وجب عليها مناقشة حجة طالب التحفيظ وترتب أثر ذلك على الدعوى سلبا أو إيجابا[33].
وبالتالي فدعوى منع التعرض ما هي إلا ضمانة من الضمانات التي أعطاها المشرع لكل حائز حسن النية لحماية حقوقه من الضياع إضافة إلى الدعاوى الأخرى التي سنتعرض لها.
الفقرة الثانية: دعوى وقف الأعمال الجديدة ودعوى استرداد الحيازة
سنتعرض في هذه الفقرة لدعوى وقف الأعمال الجديدة (أولا) ثم لدعوى استرداد الحيازة (ثانيا).
 أولا: دعوى وقف الأعمال الجديدة
دعوى وقف الأعمال الجديدة يراد بها الدعوى التي ترفع على من شرع في عمل جديد بهدف إيقاف هذه الأعمال التي شرع الغير في القيام بها، أو على وشك الشروع فيها[34]. وهي دعوى وقائية ترمي إلى منع الاعتداء على الحيازة قبل وقوعها ومثالها البدء في بناء حائط لو اكتمل يؤدي إلى سد مطل الجار فيرفع دعوى وقف ذلك البناء[35].
والمدعي في دعوى وقف الأعمال الجديدة هو نفسه المدعي في دعوى منع التعرض فهو الحائز للعقار، ويلقى عليه عبء إثبات ما يدعيه أي أن حيازته خالية من العيوب وعلنية و هادئة، كما يجب عليه إثبات أن حيازته أصلية لا عرضية، كما يشترط أن تكون حيازته قد دامت مدة سنة كاملة على الأقل، ولا يشترط في الحائز أن يكون حسن النية[36].
ويشترط في الأعمال المبررة لرفع دعوى وقف الأعمال الجديدة شرطان وهما أن تكون هذه الأعمال قد بدأت ولكنها لم تنتهي وذلك لأنها لو تمت لوقع التعرض عليها فعلا، ولكان الواجب في هذه الحالة رفع دعوى منع التعرض وليس دعوى وقف الأعمال الجديدة، وأن تكون هذه الأعمال قد بدأها المدعى عليه قد وقعت في عقاره هو لا في عقار المدعي الحائز ولا في عقار الغير، وهذا الشرط يستخلص من طبائع الأشياء، لأن هذه الأعمال لو بدأت في عقار الغير أو المدعي لوجب عليه رفع دعوى منع التعرض وليس دعوى وقف الأعمال الجديدة[37].
ثانيا: دعوى استرداد الحيازة
نص المشرع على دعوى استرداد الحيازة في الإطار العام لدعاوى الحيازة، لكن إضافة إلى ذلك أفرد لها فقرة مستقلة إذا كانت منتزعة بالعنف أو الإكراه وذلك في الفقرة الثالثة من الفصل 166 من ق.م.م حيث جاء فيها: "…غير أنه يجوز رفع دعوى استرداد الحيازة المنتزعة بالعنف أو الإكراه إذا كانت للمدعي وقت استعمال العنف أو الإكراه حيازة مادية وخالية وهادئة وعلنية…".
و سميت بدعوى استرداد الحيازة لأن المدعي يطلب رفع التعدي الواقع عليها وإرجاع الحيازة إليه من المعتدي عليها، وهي التي يرفعها الحائز ضد الغير من أجل استرداد الحيازة التي سلبها منه[38].
فهذه الدعوى يلجأ إليها الحائز الذي تسلب حيازته بفعل اعتداء إيجابي يحرمه من الانتفاع بها ويكون من شأن ذلك الإخلال بالأمن العام[39].
وتجدر الإشارة إلى أن المدعي في دعوى استرداد الحيازة ملزما بأن يثبت انه كان حائزا من قبل بالكيفية المنصوص عليها قانونا، وهذا ما أكده المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار صادر عنه، حيث جاء فيه "… يجب على من يرفع دعوى استرداد الحيازة أن يثبت أنه كان حائزا من قبل بالكيفية المنصوص عليها فقها وقانونا…"[40].
وهو ما ذهبت إليه المحكمة الابتدائية بالحسيمة في حكم لها حيث جاء حيثياته: "…الا أن المدعي لم يعزز طلبه بما يثبت حيازته للمدعى فيه والاعتداء على تلك الحيازة فضلا عما تتطلبه دعوى استرداد الحيازة من شروط لهذه الأسباب حكمت المحكمة بجلستها العلنية بعدم قبول الطلب وتحميل المدعي الصائر…"[41].
فهذه الدعوى يرفعها كل من كان قصده هو استرجاع الحيازة التي كانت بيده وسلبت منه بالقوة فإذا لم تكن هناك قوة فلا محل لدعوى الحيازة، لأن أساسها حماية الأمن العمومي وردع كل من يحاول أخذ حقه بنفسه وعن طريق العنف[42].
وقد سار العمل القضائي مع هذا الاتجاه بمعنى أن من بين شروط رفع دعوى الاسترداد أن يتوفر لرافعها ما يفيد وقوع نزع حيازته بطريقة العنف.
وهذا ماء جاء في إحدى قرارات المجلس الأعلى حيث جاء فيه "…إن دعوى استرداد الحيازة تستوجب وقوع اعتداء على الشيء المطلوب استرداده، والنازلة المعروضة لا تنطوي عل نوع العنف تجعل منها دعوى استرداد الحيازة…"[43].
وانطلاقا من هذا القرار يمكن القول بان دعوى استرداد الحيازة ترفع من الحائز عندما تنزع حيازته للعقار أو الحق العيني كله أو بعضه، وسميت هذه الدعوى بدعوى استرداد الحيازة لأن المدعي يطلب رفع التعدي الواقع عليها،ونعتقد أن كلمة العنف الواردة في حيثيات القرار أعلاه لا يراد بها فقط استعمال القوة بل أيضا مجرد فعل التعدي.

المبحث الثاني: الحماية القضائية للحيازة

وفر المشرع المغربي مقتضيات حمائية لدعاوى الحيازة تتمثل في كل من مسألة الاختصاص الذي يقصد به توزيع الأعمال على الجهات القضائية المختلفة، وينقسم إلى اختصاص نوعي ومكاني أو محلي، وإذا كانت محكمة الموضوع هي المختصة من حيث المبدأ للنظر في دعاوى الحيازة، فإن ذلك ينتقل إلى محكمة الرئيس كلما توفر عنصر الاستعجال.
هذا وقد أسند المشرع لجهاز النيابة العامة وقاضي التحقيق التدخل لحماية الحيازة وحالة الإخلال بها. ولا تكتمل الحماية إلا بتخويل القضاء سلطة الترجيح بين مختلف الحجج والبيانات من أجل إثبات الملكية لمن تعود.
وعليه سنتطرق في (المطلب الأول) للاختصاص في دعاوى الحيازة ودور النيابة العامة في حماية الحيازة، فيما سنخصص (المطلب الثاني)لآثاردعاوى الحيازة.

المطلب الأول: الاختصاص ودور النيابة العامة في دعاوى الحيازة

سنتطرق في هذا المطلب لتحديد الجهة المختصة للنظر في دعاوى الحيازة مبرزين في ذلك متى ينعقد الاختصاص للقضاء الاستعجالي في (الفقرة الأولى) وكذا دور النيابة العامة من جهة أخرى في إرجاع الحيازة إلى مالكيها بناء على حكم قضائي وذلك ما نعالجه في (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: الجهة المختصة بالنظر في دعاوى الحيازة

الاختصاص المحلي في الدعوى عموما ينعقد للمحكمة التي يقع بدائرتها موطن المدعى عليه[44] إذ ليس من العدل إجبار هذا الأخير على الانتقال إلى مكان بعيد عن موطنه ليدافع عن دعوى قد يكون مآلها الرفض، فالمدعي هو الذي يسعى وراء المدعى عليه.
وقد تناول المشرع المغربي الاختصاص المحلي في الفصل 27 من قانون المسطرة المدنية.
وبخصوص الدعاوى العقارية سواء تعلق الأمر بدعاوى الاستحقاق أو الحيازة فإن المحكمة المختصة تكون هي محكمة موقع العقار المتنازع فيه، وذلك ما اقتضته الفقرة الأولى من الفصل 28 من ق.م.م.
وقد جاء في قرار للمجلس الاعلى (محكمة النقض حاليا) بأنه: "طبقا للفصل 28 من قانون المسطرة المدنية، فإن الدعاوى العقارية سواء استحقاقية أو حيازية تقام أمام موقع العقار المتنازع فيه"[45].
هذا بخصوص الاختصاص المكاني، فماذا عن الاختصاص النوعي؟
ينص الفصل 18 من ق.م.م على أنه "تختص المحاكم الابتدائية -مع مراعاة الاختصاصات الخاصة المخولة إلى أقسام قضاء القرب- بالنظر في جميع القضايا المدنية وقضايا الأسرة والتجارية والإدارية والاجتماعية ابتدائيا وانتهائيا، أو ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف"، لكن الإشكال هو حول ما إذا كان الاختصاص للبت في دعاوى الحيازة، ينعقد لمحكمة الموضوع أم للقضاء الاستعجالي؟.
  يرى أحد الأساتذة[46] بأن دعاوى الحيازة الثلاثة هي من اختصاص قضاء الموضوع لما قد تتطلبه من بحث في تحقيق الحيازة، وتوفر شروطه مما لا يختص به قاضي المستعجلات الذي لا يبت بصريح الفصل 152[47] من ق.م.م إلا في الأمور الوقتية ولا يمكن له أن يفصل في أي أمر يمس  جوهر النزاع.
ويرى في نفس الإطار الاستاذ عبد العلي العبودي[48] أنه بقراءة القسم الرابع المتعلق بالمساطر الخاصة بالاستعجال، فكل ما يمكن أن يستخلص منه بأن القضاء المختص هو القضاء العادي لكن دعاوى الحيازة لا تتعرض لحق الملكية، ولكنها تقتصر على مجرد وحماية الحيازة في حد ذاتها الأمر الذي يلزم معه أن تكون إجراءاتها غير طويلة وغير معقدة، كدعاوى الملكية، وبهذا الاعتبار تكون قريبة الشبه بالدعاوى المستعجلة التي لا يجوز التعرض فيها للموضوع.
وإذا كانت الفصول من 18 إلى 23 من الباب الثاني من ق.م.م قد نظمت الاختصاص النوعي، إلا أنه لم يتم صراحة الإشارة فيها إلى المحكمة المختصة والسبب في ذلك واضح وهو أن جميع الدعاوى تنظر فيها المحكمة الابتدائية. هذا وبالرغم من وضوح هذه الفصول، إلا أن جل الفقه المغربي[49]والمقارن يميل إلى منح القضاء الاستعجالي للنظر في دعاوى الحيازة.
وعليه فعندما يتعلق الأمر بعقار محفظ فإنه ليس من الضروري التقيد بشروط ممارسة دعاوى الحيازة إذ أن نظر القضاء المستعجل في دعاوى الحيازة مقيد بتوفر شرط الاستعجال بالإضافة إلى الشروط العامة لممارسة الدعوى، وتتمثل شروط الاستعجال  في  مدى توفر شرط الاستعجال وعدم المساس بجوهر الحق، وبمفهوم المخالفة فمتى انتفت هذه الشروط إلا وانعقد الاختصاص لقضاء الموضوع[50].
كما أن المجلس الأعلى –محكمة النقض حاليا- جعل من حق المالك الذي يثبت ملكه برسم عقاري أن يرفع أمره إلى قاضي المستعجلات ليجعل حدا لكل تعد يمس بحقه[51].
والرأي فيما نعتقد أنه يجب على المشرع منح اختصاص البت في دعاوى الحيازة  للقضاء الاستعجالي كلما توفرت شروط الاستعجال، وذلك من أجل الإسراع في حماية الحقوق المعرضة للغصب وتفادي طول الإجراءات بالنسبة لقضاء الموضوع، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار منح الاختصاص لقضاء الموضوع كلما انتفت تلك الشروط السابقة الذكر، خصوصا في الحالات التي تتطلب فيها دعاوى الحيازة البحث والتحقيق وفي توفر شروطها، مما لا يختص  به قاضي المستعجلات.

الفقرة الثانية: دور النيابة العامة في حماية الحيازة

إن دور النيابة العامة التقليدي يتمثل في ممارسة الدعوى العمومية، ومراقبتها والسهر على تسيير ومراقبة عمل الضابطة القضائية، وتنفيذ المقررات القضائية وأوامر  قضاة التحقيق والبت في الشكايات واستعمال طرق الطعن في الأحكام بموجب المواد 36-40-41-49 من قانون المسطرة الجنائية[52].
وهكذا فقد نصت الفقرة الثامنة من الفصل 40 من ق.م. الجنائية أنه "يجوز لوكيل الملك، إذا تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم أن يأمر باتخاذ أي إجراء تحفظي يراه ملائما لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، على أن يعرض الأمر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت إليه القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه". وهو نفس ما أكدته الفقرة 11 من نفس القانون[53].
ويتبين من خلال هذا الفصل أن النيابة العامة قد أنيط بها اختصاص جديد خول لها إرجاع الحيازة إلى الأشخاص الذين كانت لديهم بمقتضى حكم قضائي ثم انتزعت منهم بفعل اعتداء جرمي، وذلك بعد تنفيذ الحكم باسترداد الحيازة وهو إجراء يهدف إلى تلافي استمرار أثر الجريمة قائما في انتظار صدور حكم قد تطول إجراءا ته على أن يقع هذا الإجراء تحت مراقبة القضاء الذي له أن يقرره أو يلغيه أو يعدله[54].
وبذلك فإن تدخل النيابة العامة في مجال الاعتداء على الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه يستلزم التقيد بشرطين هما:
  • أن يتم انتزاع حيازة العقار بعد تنفيذ حكم قضائي.
        ب-أن يتم عرض الأمر على الجهات القضائية داخل 3 أيام  من اتخاذ القرار.
  • أن يتم انتزاع حيازة العقار بعد تنفيذ حكم قضائي
لكي تتدخل النيابة يجب أن يقع اعتداء فعلي على الحيازة العقارية طبقا لما هو منصوص عليه في الفصل 570[55] من القانون الجنائي المغربي، أي أن يقع هذا الاعتداء على الحيازة العقارية إما خلسة أو بواسطة التدليس مع توافر القصد الجنائي في هذا الاعتداء.
وأن يكون الاعتداء قد تم بعد تنفيذ حكم قضائي، أي أن يكون المقرر قد استصدر حكما من المحكمة وقضى بالحيازة، وقام تنفيذه سواء كان هذا الحكم قد صدر في إطار دعوى مدنية وتم تنفيذه كدعوى استرداد الحيازة مثلا[56].
وبالتالي يمكن القول بأن الحكم الغير المنفذ لا يخول المحكوم له الاستفادة من حماية النيابة العامة ولو تحقق فعل الاعتداء على حيازته العقارية القول بعكس ذلك سيجعل من النيابة العامة  جهازا لتنفيذ الأحكام غير الجنحية[57].
أما بخصوص المسطرة الواجب اتباعها لإصدار النيابة العامة أمرها في منازعات الحيازة، فإن المشرع لم يحددها في إطار المادتين 40 و49 من ق.م.ج، وفي إطار هذا القصور فإنه يمكن للنيابة العامة أن تستدعي أطراف النزاع للمثول أمامها  لتوضيح ما قد يكون غامضا من ملابسات القضية كما يجوز لها القيام بإجراء تحقيق إما بصفة شخصية أو عن طريق انتداب أحد ضباط الشرطة القضائية للقيام بهذه المهمة.
غير أنه كان يستحسن أن يحذو المشرع المغربي حذو نظيره المصري الذي ألزم النيابة العامة بمقتضى الفصل 44 مكرر من قانون المرافعات المصري على ضرورة سماع أقوال أطراف النزاع وإجراء التحقيقات اللازمة وذلك بإتاحة الفرصة لكل منهم للإعداد وتقديم مستنداته وإن اقتضى الحال إجراء المعاينة اللازمة للعقار محل النزاع[58].
ب – أن يتم عرض الأمر على الجهات القضائية داخل 3 أيام  من اتخاذ القرار.
أخضع المشرع المغربي الإجراءات التي تتخذها النيابة العامة في منازعات الحيازة للرقابة القضائية، حيث ألزم النيابة العامة لعرض تلك الإجراءات على الهيئات القضائية المختصة، وذلك حسب مقتضيات المادتين 40 و49 من ق.م.ج حيث جاء في المادة 40 "… على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيأة التحقيق التي رفعت إليها القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه …" فمن خلال هذا النص يتضح أن المشرع وضع أمام النيابة العامة جهتين قضائيتين لعرض الإجراء المتخذ بشأن الحيازة، من طرفها على إحداهما وهو بذلك يضع هيئتان في نفس المرتبة، وهي مساواة لم يكن لها ما يبررها ذلك أنه إذا كان من المنطقي أن تختص المحكمة بمراقبة عمل النيابة فإنه من غير المنطقي أن تختص المحكمة بمراقبة عمل النيابة فإنه من غير المنطقي أن يختص قضاء التحقيق بهذه الرقابة، إذ أن هذا الأخير في ظل قانون م.ج يخضع لهيئة النيابة العامة ولا يتمتع باستقلالية تامة اتجاهها، حيث لا يتخذ قاضي التحقيق أي إجراء بعد أخذ رأي للنيابة العامة[59].
وعلى العموم يمكن القول بأن المشرع المغربي وسيرا على نهج التشريعات المقارنة، قد أحسن فعلا حينما أعطى للنيابة العامة التدخل لحماية مالكي الحيازة، بحيث لم يكتفي بالشق الموضوعي، منفتحا في هذه الحماية على الشق الجزائي والإجرائي.

المطلب الثاني: آثار دعوى الحيازة

  تظهر أهمية الحيازة في بقاء العقار في يد حائزه إن لم يثبت المدعي دعواه أو أنه أثبت ملكيته للعقار ولمن حيازة الحائز مستوفية لشروط صحتها. وبالتالي تسقط دعواه، وقد عمل المشرع على تنظيم قواعد الترجيح بين الحجج في إطار مدونة الحقوق العينية.
وبالرجوع إلى مدونة الحقوق العينية نجد أن القاضي قبل اللجوء إلى أسباب الترجيح بين الحجج (الفقرة الأولى) يتعين عليه التأكد من توفر الشروط في الحجج المراد ترجيحها، واتباع مجموعة من القواعد الخاصة بالترجيح (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: شروط الترجيح بين الحجج

إن إعمال قواعد الترجيح بين الحجج رهين بتوفر شروط معينة تتمثل في أن تكون الحجج المراد الترجيح بينها صحيحة (أولا) وأن يكون هناك تعارض بينها (ثانيا).
أولا: صحة البينات
تعتبر مرحلة التأكد من صحة البينات مرحلة سابقة على الترجيح بينها إذ لا يقوم القاضي بالبحث في الترجيح إلا إذا كان تعلق الأمر بوثائق ودلائل صحيحة، بحيث إذا اختل شرط جوهري في الوثيقة المدلى بها فإنها تعتبر باطلة فقها وشرعا، وبالتالي  لا مجال لترجيحها بغيرها[60].
والحجة الباطلة هي الحجة التي لا تتوفر فيها الشروط المستلزمة شرعا وقانونا لإقامتها، كإقامة رسم الملكية أو ما يعرف بالاستمرار دون اتباع الإجراءات الإدارية اللازمة لإقامته أو عدم توفر العدد الكافي من الشهود لإقامة اللفيف العدلي. فالإدلاء بحجج مشوبة بهذه العيوب لا يتحقق معه التعارض الموجب لسلوك قواعد الترجيح[61]. وفي ذلك ورد في قرار لمحكمة النقض ما يلي "إن الترجيح بين حجج الطرفين لا يلجأ إليه عند تساويها في الحجية وانطباقها على محل النزاع، فخلو رسم طالب التحفيظ من عنصر النسبة يجعله ناقص الحجية مما لا مجال لإعمال الترجيح مع رسم المتعرض الذي ينطبق على محل النزاع المستوفي لجميع شروط الملك المتطلبة شرعا[62].
كما يمكن أن يدلي المدعى بوثيقة مستوفية للشروط المتطلبة قانونا ولكن يتم استبعادها من قبل المحكمة ولا تكون محلا  للترجيح وذلك في حالة ما إذا سبق الفصل في قضية اعتمدت فيها نفس الحجج إعمالا لحجية الأمر المقضي.
ثانيا: تعارض البينات
بالرجوع إلى المادة 3 من م.ح.ع[63] في فقرتها الثالثة نستنتج أن الإدلاء بحجج صحيحة شكلا ومضمونا لا يكفي لسلوك باب الترجيح بين الحجج، بل يتعين أن تكون هذه الحجج متعارضة فيما بينها. فمثلا إذا أدلى كل واحد من أطراف النزاع بوثيقة عدلية مخاطب عليها من طرف قاضي التوثيق، وجب ترجيح الوثيقة السابقة في التاريخ.
أما إذا تقدم أحد الأطراف بوثيقة عدلية غير مخاطب عليها، بينما أدلى الطرف الآخر بالوثيقة العدلية المخاطب عليها، فإن هذه الأخيرة تعتبر كورقة رسمية حجة سواء بين المتعاقدين أو في مواجهة الغير، وذلك حسب الفصل 419 من ق.ل.ع[64].
ولكن الإشكال الذي يطرح بحدة هو إذا كانت للوثيقتين نفس التاريخ وتعلقتا معا بالحيازة، فكيف يتم الترجيح بينهما؟
نعتقد أنه إذا كانت لكل من الوثيقتين العدليتين نفس التاريخ، كما لو كانت كل واحدة منهما مؤرخة في سنة 2017 وتفيد إحداهما الحوز منذ 2000، بينما الثانية تشير إلى الحوز 2001، فإن العبرة بقدم تاريخ بدء الحيازة وبالتالي ترجح وثيقة الشخص الذي تحوز منذ 2000 وتثبت له الملكية وحده.
كما أنه يتعين على القاضي في إطار بته في النزاع، النظر فيما إذا كانت الحجج المدلى بها صحيحة من حيث الشكل على أساس أن كل بينة وحتى تكون قائمة بذاتها يستوجب أن تكون متوفرة على جميع الشكليات وفقا لما تقتضيه قوانين التوثيق وإلا استبعدها القاضي من الترجيح، وهو ما أكدته محكمة النقض في أحد قراراتها الذي جاء فيه: "أنه خلافا لما يدعي الطاعنون فإن المحكمة ناقشت حجج الطرفين ورأت أن شراء المتعرضين مجرد عن أصل الملك وعن الحيازة. ولذلك لم تكن في حجة على الترجيح حسب الأقدمية التي لا يلجأ إليها إلا إذا كان العقدان معا صحيحين من حيث الشكل ومنسجمين في الدعوى، أما في نازلة الحال فإن حجج المتعرضين لا تفيدهم في الدعوى"[65]. كما جاء في أحد الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بفاس ما يلي: "وحيث أن المدعي أدلى برسم شراء مضمن عدد 21 صحيفة 13 المبين على الملكية حوله:
وحيث أن الملكية التي أسس عليها العقد المشار إلى المراجعة أعلاه غير مخاطب عليها كما أنها لا تحمل مراجع التوثيق وهي على حالتها غير عاملة شرعا، ومخالفة لنظام خطة العدالة علما أنه لا ينتزع العقار من يد حائز برسم مجرد وتبعا لذلك يتعين التصريح  بعدم قبول الدعوى"[66].
بالإضافة إلى ما سبق فإنه يتعين أن يكون هناك اتحاد في محل الحجيتين مع التعارض بينهما كأن يثبت إحداهما أمر وتنفيه الأخرى، أما إذا اختلف محل الحجيتين فلا تعارض[67].
وفي الأخير نخلص إلى أنه حسنا فعل المشرع عندما نص في المادة الثالثة على وسائل الترجيح بين الأدلة، فقبل صدور المدونة كان هنالك تضاربا فقهيا حول وسائل الترجيح بين من يؤيد وسائل الترجيح في الشرع الإسلامي وبين الآخر يرى بتطبيق وسائل الترجيح المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.

الفقرة الثانية: سلطة المحكمة في الترجيح بين البينات

إن القاضي وهو يتفحص ما أمامه من حجج للوصول في الأخير إلى دليل يأخذ به، فهو في ذلك يدل على أوجه اقتناعه بالقيمة الإثباتية للدليل المعروض أمامه، وهو في استخلاصه ما بالوثائق والدلائل المعروضة أمامه وإعطائه لها القوة الثبوتية التي تستحقها بحيث يتمتع بسلطة تقديرية واسعة ومطلقة في تقدير طرق الإثبات الذي تأمر به وفي الأخذ  بنتيجتيه من عدمه ولا عليها إن حكمت لخصم عجز عن إثبات ما يدعيه بالبينات ما دامت قد قامت قضاءها مما استخلصه من أوراق الدعوى[68].
وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) ما يلي: "لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في تقييم الأدلة المعروضة عليها واستخلاص قضائها منها"[69].
يتضح من القرار أعلاه أن محكمة الموضوع تستقل بتقديرها للحجج المدلى بها أمامها، وذلك دون رقابة من جانب محكمة النقض، ومن تم فإن محكمة الموضوع تبقى مقيدة فقط بوقائع وحدود النزاع.
إلا أن سلطة القاضي في استخلاص الوقائع وترجيح حجة على أخرى مقيدة بضرورة تبيان الكيفية التي استخلص بها هذه الوقائع ورجح تبعا لذلك حجة على أخرى[70].
وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض بنقض قرار بعلة أنه لم يبحث حجج الطرفين ولم يبني من أين يستخلص النتائج التي برر بها منطوقه حيث جاء فيه ما يلي: "… في حين أن الشهادة التي تنسب الملك إلى الجماعة لا يشترط فيها بالضرورة توافرها على كافة شروط الملك المطلوبة في باقي الملكيات، إذ ما دام شهودها يشهدون بالصيغة الجماعية للشهود فيه، كان على المحكمة، فيما رأت خلاف ذلك أن تتخذ التدابير التكميلية للتحقيق بالوقف على عين العقار المدعى فيه للتأكد من صيغته، هل هي جماعية أم لا؟ وهو ما لم تقم به بالرغم من تأثيرها على الفصل في النزاع، فجاء بذلك قرارها غير مرتكز على أساس قانوني ومعرضا بالتالي للنقض والإبطال"[71].
وتجدر الإشارة إلى أنه يعتبر من سوء التعليل تقضي المحكمة لأحد أطراف النزاع تبعا لحجته مع أنها في الوقت ذاته تعتبر هذه الحجة متساوية مع حجة الطرف الآخر.
وفي الأخير يتضح لنا بأن القاضي في إطار تفحصه للحجج المدلى بها أمامه  يتمتع بسلطة تقديرية في استخلاص القوة الثبوتية لهذه الحجج، إلا أنه مقيد في إطار وقائع النزاع وحدوده وتبيان الكيفية التي استخلص بها هذه الوقائع، ورجح تبعا لذلك حجة على أخرى وبنى عليها المنطوق تحت طائلة نقض الحكم أو القرار الصادر عنه، بناء على عدم ارتكازه على أساس قانوني أو ناقص التعليل الموازي لانعدامه[72].

خاتمة

وفي الاخير لا يسعنا القول إلا أن المشرع المغربي فطن إلى أهمية الملكية العقارية، وعمل على تنظيم الآليات التي من شأنها الحد مما يهدد استقرارها، خصوصا عندما عدَد مجموعة من الشروط الواجب توافرها لرفع دعاوى الحيازة، وكذا تعداده لمجموعة من الدعاوى التي من شأنها حماية حيازة الحائز حسن النية وحماية حقوقه، هذا وقد أحسن فعلا حينما أعطى للنيابة العامة هي الأخرى التدخل لحماية الحيازة، إلا أن ذلك لم يمنع من القول بأن هذا التنظيم لا زال في حاجة إلى بعض الدقة خصوصا فيما يتعلق بمسألة الاختصاص، ولذلك خلصت إلى بعض الاقتراحات وهي على الشكل الاتي:
  • التنصيص الصريح على منطلق حساب أجل السنة في حالة سبق رفع دعوى  زجرية بشأن الاعتداء عن الحيازة أو صدور الحكم فيها، هل هو تاريخ صدور الحكم الزجري الابتدائي أم يوم صدور القرار الاستئنافي.
  • التنصيص على اختصاص القضاء الاستعجالي للنظر في دعاوى الحيازة كلما توفرت شروط الاستعجال.

دعــاوى الحــــيازة دعــاوى الحــــيازة بواسطة المكتبة القانونية في 4:13:00 م تقييم: 5
يتم التشغيل بواسطة Blogger.