التعرضات وحماية الملكية العقارية أثناء المسطرة الإدارية للتحفيظ

المسطرة الإدارية للتحفيظ

بسم الله الرحمان الرحيم
مقــدمة
تحتل الثروة العقارية أهمية كبرى في تجسيد الإقلاع الاقتصادي، حيث يعتبر العقار المحرك الرئيسي لمعظم المعاملات والأرضية الصلبة لانطلاق المشروعات الاقتصادية الضخمة.

ويعتبر حق الملكية العقارية من أهم الحقوق التي حظيت بحماية خاصة في التشريع الأساسي المغربي[1] حيث اعتبره حقا مضمونا  مقدما، ومنع المساس به والاعتداء أو الترامي عليه.
وهذه العناية كانت ثمرة تطور تاريخي طويل مرت به فكرة الملكية[2]، وبالنسبة للمغرب فقد كانت الملكية العقارية خاضعة لقواعد الشريعة الإسلامية والفقه المالكي سواء من حيث إثباتها أو من حيث تنظيم التصرفات  الواردة عليها ، إلا أن دخول الحماية الفرنسية عجل بإصدار ترسانة قانونية لتنظيم وضبط استقرار الملكية والحقوق  العينية العقارية، ولعل الهدف الأساسي من هذا كله تمكين المعمرين من الحصول على الأراضي المغربية مع العلم بأن القانون يفرض على غير المغاربة الحصول على رخصة حتى يمكن تملك هذا العقار.
وإن الغاية من التعجيل بإصدار ظهير التحفيظ العقاري الذي أعطى للمحافظ  ذي الجنسية الفرنسية بالضرورة سلطات تفوق سلطات القضاء، وهو ما يساعده في التعسف اتجاه المغاربة وإقرار الحقوق للمعمرين.
وبعد إدخال هذا الظهير أصبح العقار في المغرب يخضع لازدواجية قانونية من حيث التشريع فهناك عقارات غير محفظة تخضع لقواعد الفقه الإسلامي ، وأخرى محفظة تخضع لظهير 9 رمضان 1331 ،وقد حافظ المغرب على هذه الازدواجية حتى بعد الاستقلال إذ لا يزال العقار المحفظ يخضع لقواعد هذا الظهير، أما بالنسبة للعقار غير المحفظ فبقي خاضعا لمقتضيات  قواعد الفقه الإسلامي.
ولإخضاع عقار معين لهذا النظام لابد من إتباع مجموعة من الإجراءات واحترام مجموعة من المساطر ابتداء بإيداع مطلب تحفيظ العقار لدى  الجهات المختصة ومرورا بعمليات الإشهار والتحديد وانتهاء بتأسيس الرسم العقاري وتطهير العقار من جميع الحقوق السالفة الغير مضمنة بالكناش العقاري[3]. وهذه هي المسطرة العادية للتحفيظ بالمغرب في أبسط صورها التي تبقى والحالة هذه ضمن نطاق التحفيظ الإداري[4] ، إذا يتم  التحفيظ دائما بقرار إداري، فحتى لو تخللتها مرحلة قضائية فإنها تختتم بقرار إداري حيث  إن المحافظ على الأملاك العقارية والرهون يبقى هو المختص الوحيد باتخاذ قرار التحفيظ وقراره هذا نهائي وغير قابل للطعن، وبذلك جعل المشرع من المحافظ السلطة التنفيذية والتقريرية الأولى والأخيرة لنظام التحفيظ العقاري،  لكن إضفاء الصفة النهائية على قرار التحفيظ قد يؤدي إلى الإضرار بأصحاب الحق الحقيقيين الذين  لا تبقى لهم أي وسيلة للمطالبة بحقوقهم الضائعة عينا ذلك أن الرسم العقاري الناتج عن اتخاذ قرار التحفيظ يعتبر هو المنطلق الوحيد لكل الحقوق الموجودة حيث يطهر العقار من جميع الحقوق التي  لم تظهر خلال سريان مسطرة التحفيظ حيث لا يبقي لأصحاب هذه الحقوق سوى المطالبة بالتعويض عن الضرر.
ولما كان اتخاذ قرار التحفيظ من الخطورة بمكان، فإن المشرع المغربي أعطى الحق لكل من يدعي ملكية حق على عقار في طور التحفيظ أن يتدخل في مسطرة التحفيظ عن طريق ممارسة التعرض على هذه المسطرة حيث إنه بهذا التعرض ينازع طالب التحفيظ في الحق الذي يدعيه، ويعرف التعرض بأنه “ادعاء يتقدم به أحد من الغير ضد طالب التحفيظ بمقتضاه ينازع المتعرض في أصل ملكية طالب التحفيظ أو  في مدى هذا الحق أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه أو يطالب بحق عيني مترتب على هذا العقار وينكره عليه طالب التحفيظ الذي لم يشر إليه في مطلبه”[5].
وبهذا فإن التعرض يعتبر الوسيلة الوحيدة التي يمكن لمن يدعي ملكية حق شمله مطلب تحفيظ أن يمارسها لاسترداد حقوقه ، وهذه المؤسسة تؤثر على مسطرة التحفيظ بأكملها عن طريق تجميدها،حيث أن التعرض يمنع المحافظ من اتخاذ  أي قرار في شأن تحفيظ العقار من عدمه قبل تسوية ملف التعرض ،لأن هذا الأخير هو الوسيلة التي أقرها المشرع لحماية الحقوق والملكية العقارية على حد سواء .ومن هنا تتضح أسباب  اختيارنا لهذا الموضوع إذا هو أهم مؤسسة جاء بها ظهير  التحفيظ العقاري، فالتمكن من ضبط كل ما يرتبط بالتعرض هو تمكن بالضرورة من مسطرة التحفيظ .
هذا وإن كنا لم نعاني من قلة المراجع إذ على العكس فإن كثرة المراجع وتعدد الآراء وتضاربها خلق لنا بعض الصعوبات في تجميع شتات هذا الموضوع،وسنحاول من خلال هذا البحث أن نرصد كلا من الجوانب الإيجابية في التشريع المغربي لمؤسسة التعرض وجوانبها السلبية متطرقين في نفس الوقت لتقييم دور التعرضات في حماية الملكية العقارية مقتصرين على المسطرة الإدارية العادية للتحفيظ.
ولقد نظم المشرع المغربي هذا الموضوع من خلال ثمانية وعشرون فصلا ابتداء بالفصل 24 وانتهاء بالفصل 51 ، إذ نظم المسطرة التي يتم بها تقديم التعرض، وطرق البث الإداري في هذا التعرض ، حيث أعطى للمحافظ سلطة تقديرية لا يحد منها في هذا المجال إلا ضميره، إذ يستطيع قبول التعرض أو رفضه ، وبعد ذلك فإنه يبقى من حقه إلغائه أو الاحتفاظ به.
وإذا كان التعرض وسيلة من وسائل تطبيق مبدأ التطهير المسبق للحقوق المراد تحفيظها ووسيلة لحماية الملكية من تسلط شخص قد يقدم مطلبا للتحفيظ. فهل حققت هذه المؤسسة النتائج التي قررت من أجلها سواء من خلال مسطرة ممارستها أو من خلال طرق البث فيها إداريا؟ وهل فعلا أن المقتضيات القانونية الحالية تسمح بإظهار صاحب الحق من غيره في المرحلة الإدارية للتحفيظ؟. وما هو الدور الإيجابي الذي يمكن للمحافظ أن يقوم به في حل النزاع وديا؟
إن هذه الإشكاليات وغيرها تعتبر العمود الفقري لهذا الموضوع ،إذ سنحاول من خلال معالجتنا لهذا البحث أن نجيب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا عن هذه التساؤلات معتمدين في ذلك منهجيا تحليليا تارة ومنهجيا نقديا تارة أخرى.
ومن اجل الإلمام بهذا الموضوع فإننا ارتأينا أن نقسمه إلى فصلين اثنين على الشكل التالي:
الفصل الأول: حماية الملكية من خلال مسطرة التعرض.
الفصل الثاني: حماية الملكية من خلال طرق البث الإداري في التعرض.
الفصل الأول:
حماية الملكية من خلال مسطرة التعرض .
لقد جاء ظهير التحفيظ العقاري بقاعدة أساسية تتمثل في قاعدة التطهير التي تجعل من الرسم العقاري المنطلق الوحيد لكل الحقوق ولا يجوز الطعن فيه ،وبدلك فان اتخاذ قرار التحفيظ هو من الخطورة بمكان، حيث لا يبقى المجال للمطالبة بالحقوق الضائعة عينا . ولا يبقى سوى المطالبة بالتعويض النقدي متى شمل التحفيظ حقوقا في ملك الغير أو أهمل التنصيص على حقوق موجودة .
ولما كانت مرحلة ما قبل اتخاذ قرار التحفيظ[6]  مرحلة غير يقينية وتجعل السندات المدعمة لمطلب التحفيظ بداية حجة[7]،  فانه يبقى من حق كل من ادعى بأن مطلب التحفيظ الذي تقدم به غيره ، سيؤدي إلى المساس بمصالحه أن يتقدم  بتعرض على هذا المطلب[8]  دخل الأجل المحدد قانونا [9].
فالمشرع جاء بهذه المؤسسة تفاديا للخطورة الناتجة عن اتخاذ هذه القرارات وضمانا لحقوق الأغيار، حيث يمكن للشخص دحض قرينة  ملكية طالب التحفيظ من خلال تقنية التعرض .
ويمر تقديم التعرض من مسطرة محددة، تنظمها قواعد قانونية محكمة .
وإذا كان التعرض وسيلة لحماية حقوق الغير أثناء مرحلة التحفيظ الإدارية. فهل حققت هذه المسطرة النتائج المرجوة منها ؟ أم أنها تنحو منحا مخالفا في اتجاه إطالة مسطرة التحفيظ، وفي اتجاه الكيد والتسويف ؟وهل القواعد القانونية المنظمة لتقديم التعرض تمكن الأغيار من حماية حقوقهم؟. وهل فعلا هذه المسطرة تسمح وتسهل باستقصاء الحقيقة أثناء المرحلة الإدارية للتحفيظ ؟
كل هذه الإشكالات سنحاول أن نبحث فيها انطلاقا من النصوص القانونية المنظمة للموضوع مسترشدين بالآراء الفقهية  والأحكام القضائية  التي تصب في هذا الاتجاه، وسنتطرق لهذا الموضوع من خلال مبحثين اثنين ،حيث نتناول في الأول نطاق التعرض والجهات التي يمكنها تلقي التعرضات، على أن نخصص الثاني للقواعد القانونية التي تنظم هذه المسطرة .
المبحث الأول:
نطاق التعرض والجهات المقدم أمامها
فرضت أهمية مؤسسة التعرض في ميدان التحفيظ العقاري أن يضع  لها المشرع المغربي تنظيما خاصا بها ابتدءا من كيفية ممارسة هذا الحق ومن يمكنه مزاولته ؟ وما هي  الحقوق التي يمكن أن يزاول التعرض بشأنها ؟ كما أنه وسع  نطاق الجهات التي يمكنها تلقي التعرضات،  فهل فعلا ساهم توسيع هدا النطاق في إعطاء كل من يمكن أن تمس مصالحة حق التدخل؟ و بشكل أوضح فهل نطاق التعرض يتسع .ليشمل كل الأشخاص وكل الحقوق التي يمكنهم الادعاء بها ؟ وهل تعدد الجهات التي يمكنها تقبل التعرضات يساهم فعلا في تبسيط المسطرة وتقريبها من المواطنين أم أنها تبقى قاصرة عن الوصول إلى الهدف المنشود ؟ كل هذه التساؤلات سنحاول الإجابة عليها من خلال التطرق في( مطلب أول) لاتساع نطاق التعرض على أن نخصص المطلب الثاني لتعدد الجهات التي يقدم أمامها التعرض.
المطلب الأول: اتساع نطاق التعرض.
لقد أعطيت للرسم العقاري قوة ثبوتية مطلقة باعتباره المنطلق الوحيد لكل الحقوق العينية .حيث لا يعتبر الحق العيني موجودا إلا من خلال تضمينه في الرسم العقاري،  وبالتالي فان حماية حقوق الأغيار أثناء المرحة الإدارية للتحفيظ جعلت المشرع يوسع نطاق التعرض، حتى يتمكن كل شخص يدعي ملكية حق ما من التدخل في مسطرة التحفيظ ،فأين يتجلى توسيع نطاق التعرض من حيث الأشخاص (فقرة أولى) وأين يتجلى توسيع هدا النطاق من حيث الحقوق ؟( فقرة ثانية ) .
الفقرة الأولى :نطاق التعرض من حيث الأشخاص
لقد منح الفصل 24 من ظهير التحفيظ العقاري لكل شخص الحق في ممارسة التعرض ولم يضع أي قيد في مواجهة هؤلاء الأشخاص،  حيث جاء فيه أنه “يمكن لكل شخص أن يتدخل عن طريق التعرض في أعمال التحفيظ وذلك:
أولا : إما في حالة نزاع بشأن وجود حق الملك لطالب التحفيظ أو مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار .
ثانيا: وإما في حالة الادعاء بمباشرة حق عيني قابل للتسجيل على الرسم العقاري الذي سيقع إنشاؤه.
فمن خلال هذا الفصل يتضح أن المشرع المغربي لم يربط ممارسة التعرض على مطالب التحفيظ بقيود معنية، فعبارة هذا الفصل جاءت مطلقة وغير مرتبطة بقيود ،وتبعا لذلك من حق أي شخص رأى أن مطلبا للتحفيظ يمس بحقوقه أو مصالحه أن يقدم تعرضا على هذا المطلب .
إلا أن الفقرة الثانية من نفس الفصل جاءت لتقييد نطاق التعرض عندما ربطته بحقوق معينة تحريا للدقة، واعتبارا لأنها  أهم الحقوق التي يمكن أن ترد على عقار ما فإن هذا  لا يعتبر تقييدا وإنما تحديدا .
ولما كان التعرض بمثابة ادعاء، وحيث أن الدعاوي في قضايا التحفيظ العقاري لا ترفع بمقال افتتاحي للدعوى وإنما عن طريق تقديم تعرض أمام المحافظ، وبالتالي فانه يجب أن تتوفر في المتعرض شروط الدعوى من صفة ومصلحة وأهلية[10] طبقا للفقرة الأولى من  الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية و التي جاء فيها بأنه لا يصح التقاضي  إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة لإثبات   حقوقه[11]، إلا أننا نعتقد في هذه النقطة بأن تقديم التعرض أمام المحافظ لا يستلزم توافر الصفة والمصلحة لأن المحافظ قد يقبل التعرض بناء التصريحات أو مراسلة الأطراف أو إبداء  تعرضهم أمام المهندس، ولا يتم التأكد من الصفة والمصلحة إلا بعد صدور أحكام قضائية باتة في النزاع، فالقضاء هو الذي يقرر وجود الصفة من عدمها، وبالتالي فان تقديم تعرض يمكن أن يتم من طرف شخص لم يبرر في طلبه صفته ومصلحته  في إقامة التعرض، وهذا ما يتماشى مع طبيعة المرحلة الإدارية للتحفيظ ، واعتبار المحافظ سلطة إدارية.
وقد يتم تقديم تعرض من قبل أشخاص لا مصلحة لهم فيه وهو ما يسمى بالتعرض الكيدي [12]  والذي يمكن تعريفه بأنه كل تعرض  يكون المتعرض مبطلا في دعواه ولم يقصد بها إلا مضارة خصمه والنكاية به، فانه لا يكون قد باشر حقا  مقررا في القانون بل يكون عمله خطأ يجيز الحكم بالتعويض [13] . والرأي فيما نعتقد أن الحكم على التعرض فيما إذا كان كيديا أو غير كيديا يكون من طرف القاضي ولا يدخل في اختصاص المحافظ، وهو ما يستنتج من عبارة ثبت صدوره الواردة في الفصل 488 من ظ.ت ع . وبالتالي فان المحافظ يجب عليه تسجيل أي تعرض في كناش التعرضات في انتظار الحجج التي تبرر هذا الحق . وعلى المستوى العملي فان المحافظين لا يلجئون إلى إلغاء التعرض لعدم تقديم المستندات إلا نادرا تفاديا منهم للطعن في قرارهم والدخول في تعقيدات الدعاوي الناتجة عن هذا الإلغاء .
والتعرض ليس وقفا على الأشخاص الطبيعيين بل يمكن مباشرته حتى من طرف الأشخاص المعنويين ،فالدولة لها حق التعرض على كل مطلب تحفيظ يمس بأحد أملاكها [14] ، ويمكن للغير أيضا التعرض عليها [15] ،كما أن هذا الحق يخول لوزارة الأوقاف  والمؤسسات العمومية  ونواب الجماعات السلالية .
وصفة المتعرض تثبت لأصحاب الحقوق العينية التي نص عليها الفصل 8 من ظهير 9 رمضان 1333 [16] أو من يقوم مقامهم بواسطة وكالة خاصة أو وكالة عامة على السواء دون تجاوز مجال صلاحية التعرض بغير إذن صريح من  الموكل[17]  وإذا كان الأصل هو قيام كل شخص بمباشرة التعرض بنفسه أو يوكل أحدا من الغير بمقتضى وكالة فانه يمكن تقديمه باسم الغير نيابة عن القاصرين و فاقدي الأهلية والغائبين والمفقودين وغير الحاضرين، وذلك من طرف الأوصياء والممثلين الشرعيين والأقارب دون تحديد درجة قرابتهم ووكيل الملك والقاضي ووكيل الغياب[18]  وهكذا فالمشرع المغربي فتح باب التعرض على مصراعيه رغبة منه في منح أكبر قدر من الضمانات لمن يمكن أن يكون مطلب التحفيظ سببا للنيل من حقوقه[19] .
وتكمن أهمية اتساع نطاق الأشخاص الذين بإمكانهم تقديم التعرض في حماية حقوق الأغيار من تأسيس رسوم عقارية غير قابلة للطعن تقضي على حقوقهم بدون رجعة ،إلا أن المشرع اشترط من خلال الفصل 26 من ظ ت  ع في أي شخص يقدم تعرضا باسم غيره أن يثبت هويته وان كان يتعرض بصفته وصيا أو نائبا أو وكيلا أن يبرر ذلك بالإدلاء بوثائق صحيحة وأن يعطي البيانات المتعلقة بالحالة المدنية لمنوبه، وأن يضع العقود والمناسخات عندما يتعلق الأمر بشركاء في الشياع وفي هذا الصدد جاء في أحد الأحكام القضائية “حيث أن المتعرض نسب الملك لوالده ولم يثبت  علاقته …”[20] وهو ما أيدته محكمة الاستئناف لنفس السبب[21] .
ومراعاة لمركز القاصر ولأهمية مؤسسة التعرض في ضمان حقوقه، فان بعض الفقه[22]  نادى باستلزام إذن القاضي عند تقديم تعرض باسمه على طلب تحفيظ عقار ما أو سحب هذا التعرض ،وهو ما نؤيده نظرا لانعدام الوازع الديني والأخلاقي لدى العديد من النواب حيث يلجئون إلى استغلال نيابتهم  لقضاء أغراض شخصية، مما يحتم على المشرع تدارك هذا النقص وإلزام النائب بالحصول على إذن القاضي وخصوصا في حالة السحب أو المصالحة في شأن التعرض، ولنا في التشريع الفرنسي قدوة في هذا المجال حيث أنه فرض رهنا قانونيا على الأموال النائب القانوني لفائدة القاصر[23] .
وتجدر الإشارة إلى أن مشرع مدونة الأسرة قد وفر حماية للمنوبين ضد مسؤولية هؤلاء الممثلين في أداء مهامهم طبقا للمادة 257 من مدونة الأسرة من خلال إقرار مسؤوليتهم الجنائية عند الإخلال بالالتزامات  المفروضة  عليهم في إدارة شؤون المحجور عليهم إذا كان هذا الإخلال يشكل جرما معاقبا عليه  قانونا .
وفي المنطقة الشمالية فان المشرع بدل محاولات تشريعية متتالية كان أخرها ظهير 9 نونبر 1992 [24]  بهدف تسوية التحفيظ العقاري وقدم الضمانات والتشجيعات لأصحاب الرسوم الخليفية المتبقية قصد الإدلاء بها وتصحيحها لتتحول إلى رسوم عقارية حيث أنه قلص دائرة الأشخاص الذين يمكنهم تقديم تعرض عندما منح هذه الصفة فقط للمجاورين للعقار دون سواهم فيما يخص التعرض على الحدود بالنسبة للرسوم الخليفية المؤسسة قبل 1956[25].
ونذهب مع أستاذنا إدريس الفاخوري في أن هذا التضييق مجانب للصواب إذ أن مسطرة التحفيظ ذات طبيعة تطهيرية وهي الكفيلة بتبيان المالك الحقيقي للعقار كما أن هذا التمييز بين الرسوم الخليفية التي وضعت قبل 1956 وتلك الموضوعة بعد هدا التاريخ لا أساس له لأن العوامل المتحكمة في وضع الرسوم الخليفية هي نفسها سواء قبل سنة 1956 أو بعدها .
يتضح لنا من خلال ما سبق أن المشرع قد وسع من دائرة الأشخاص الدين يمكنهم تقديم تعرض متوخيا تحقيق الملكية بشكل أكثر دقة ومنح الفرصة لكل من يدعي ملكية حق في العقار لإبداء تعرضه على مسطرة تحفيظ ذلك الملك،  وهو ما يشكل ضمانه حقيقية لحماية الملكية وتأسيس رسوم عقارية على أسس متينة وبيانات صحيحة.
الفقرة الثانية: نطاق التعرض من حيث الحقوق               
إن الغاية من وضع قانون للتحفيظ العقاري وهو حماية حق الملكية وضمان استقرار هذا الحق الذي يعتبر من أهم الحقوق العينية ،وهكذا فان حق التعرض مسموح به فقط لمن يدعي ملكية حق من الحقوق العينية [26] التي قد تترتب على عقار دون الأشخاص  الذين قد يدعون ملكية حق شخصي، وهذا يعني أن التعرض لا يقبل إلا من أصحاب الحقوق العينية انسجاما مع نظام الشهر العيني الذي أخد به المشرع المغربي .
والتعرض لا يمارس مبدئيا إلا في مواجهة طالب التحفيظ وفي حدود نطاق العقار المزمع تحفيظه وعليه فلا يمكن للمتعرض المطالبة بحقوق ليست موضوع مطلب التحفيظ، كما أنه لا يمكن أن يمارس التعرض في مواجهة متعرض أخر وذلك إذا انقسمت مجموعة من المتعرضين إلى قسمين كأن تقوم مجموعة من الورثة بتعرض على مطلب تحفيظ خلفه مورثهم ثم يقوم أحد الورثة ينازع حق وارث أخر معه[27].
وبالرجوع إلى الفصل 24 من ظ ت ع فان المشرع المغربي حدد الحقوق التي يمكن التعرض عليها وهي كالتالي:
  • إما في حالة نزاع بشأن وجود حق الملك لطالب التحفيظ أو مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار.
  • وإما في حالة الادعاء بمباشرة حق عيني قابل للتسجيل على الرسم العقاري الذي سيقع إنشاؤه.

فالمنازع في شأن وجود حق الملكية العقار موضوع مطلب التحفيظ يمكنه أن يقدم تعرضا شاملا كل الوعاء العقاري لمطلب التحفيظ ويسمى بالتعرض الكلي [28]  كما يمكن أن يشتمل فقط جزء من العقار ويسمى بالتعرض الجزئي والذي يستلزم إجراء تحديد تكميلي لتحديد القطعة المتعرض بشأنها [29] ويكون النزاع بشأن مدى حق الملكية كما لو كان الأمر يتعلق بعقار مملوك على الشياع وطالب  أحد الملاك تحفيظ العقار المشترك بنسبة تتجاوز حصته الحقيقية ،حيث قد يكون  طالب للتحفيظ  ادعى لنفسه نصيبا أكبر من نصيبه ، فيحق لشريكه رفع تعرض يطالب فيه بتصحيح نصيب طالب التحفيظ بهذا الملك ويسمى هذا التعرض بالتعرض على حقوق مشاعة [30]، أما فيما يخص النزاع بشأن الحدود فأن المتعرض لا يهدف من خلال تعرضه إلى المنازعة في حق الملكية ، وإنما يهدف إلى تعديل حدود عقار طالب التحفيظ الذي قد يكون
مطلبه شاملا جزء من عقار المتعرض [31] حيث يطالب المتعرض بإجراء تحديد تكميلي لتعديل الحدود[32] .
وقد يكون النزاع في حالة الادعاء بمباشرة حق عيني قابل للتسجيل على الرسم العقاري المراد تأسيسه [33] ولقد جاء مشروع قانون  التحفيظ العقاري بمستجد مهم وهو أنه أضاف نقطة ثالثة يمكن تقديم التعرض بشأنها وهي الحالة التي تكون فيها المنازعة قي حق وقع الإعلان عنه طبقا للمادة 84 من هذا القانون [34]  .وجدير بالذكر أنه إذا نشأ نزاع عن هذا الإيداع بين المودع وطالب التحفيظ فانه يحول إلى تعرض ليقع البث فيه[35] .
والحقيقة أن صاحب الإيداع طبقا للفصل 84 له مصلحته الخاصة في النزاع وان اكتساب حقوقه من طالب التحفيظ يجعل مصالحه مرتبطة بمصالح طالب التحفيظ وجودا وعدما .
فكل الحقوق العينية التي يمكن أن يضمنها طالب التحفيظ في مطلبه يجوز لأي شخص أن ينازعه فيها بتقديم تعرضه وهذا ما يعتبر ضمانه حقيقية لحماية الملكية وضمان تأسيس الرسم العقاري في اسم المالك الحقيقي للعقار، فباستثناء الحقوق الشخصية التي لا يجوز التعرض في شأنها لأنها تستثني  من الأثر التطهيري للتحفيظ فان الحقوق العينية الأخرى تبقى محلا لتقديم التعرض في حالة المنازعة بشأنها .
إلا أننا نعتقد بخصوص  الإيداعات طبقا للفصل 84 بأنه بعد قبول العملية من طرف المحافظ طبقا للفصل 84 والتأشير عليها وبعد تسجيلها في كناش التعرضات تصبح بمثابة حق مكتسب لصاحب الإيداع ويستلزم النزاع في شأنه رفع دعوى إلى المحكمة عكس التعرض الذي يعتبر بمثابة ادعاء بعد قبوله من طرف المحافظ لأن إيداع التعرض جاء كنتيجة للمنازعة ، أما الإيداعات طبقا للفصل 84 من ظ ت ع فهي تأتي في سياقها العادي ولا تتم المنازعة في شأنها إلا بعد تسجيلها وربما مرور وقت معين على هذا التسجيل .
وإذا كان اتساع نطاق التعرض سواء من حيث الأشخاص الذين يمكنهم ممارسة التعرض أو من حيث تعدد الحقوق التي يمكن التعرض  في شأنها يشكل ضمانة كبرى لحماية حقوق الغير والتي فيها أيضا حماية للملكية العقارية فماذا يمكن القول حول تعدد الجهات التي يقدم أمامها التعرض ؟
المطلب الثاني: تعدد الجهات التي يقدم أمامها التعرض .
لقد عدد الفصل 25 من ظ ت ع من الجهات التي يمكنها استقبال التعرض حيث يمكن تقديم التعرض ليس فقط للمحافظة العقارية بصفتها صاحبة الاختصاص الأصلي في هذا مجال وإنما يمكن وضعه لدى جهات أخرى أكثر قربا من المواطنين وأكثر احتكاكا بهم مثل المحكمة الابتدائية أو المركز القضائي أو مكتب السلطة المحلية ممثلة في القائد، أو قاضي التوثيق، غير أن هذه الجهات لا ثبت في التعرضات المقدمة إليها وإنما تكتفي ببعثها إلى المحافظة العقارية مع جميع محاضر التعرضات والوثائق المرفقة بها[36]، ليتم تسجيلها في سجل التعرضات من قبل المحافظة فور وصولها [37] .
كما يمكن تقديمه أمام المهندس أثناء جريان التحديد المؤقت بعين المكان، كما يمكن أن يثار تلقائيا من طرف مصلحة المسح العقاري عندما يكون التعرض متبادلا[38]
فهل هذا التعدد ميزة للمتعرضين؟ ولتفعيل ممارسة التعرض وتشجيع وتسهيل مأمورية الأشخاص في المطالبة بحقوقهم عن طريق تقديم التعرض إلى أي من الجهات السالفة الذكر؟ أم أن هذا التعدد يبقى قاصرا عن تحقيق الهدف من التنصيص عليه .
سنتطرق لهذا الموضوع من خلال( فقرة أولى) ندرس فيها تقديم التعرض أمام المحكمة والسلطة المحلية على أن نخصص الثانية لتقديمه أمام المهندس في عين المكان وأمام المحافظة العقارية.
الفقرة الأولى : تقديم التعرض أمام المحكمة والسلطة المحلية .
لقد كانت غاية المشرع من تعدد الجهات التي يمكن تقديم التعرض أمامها هو تسهيل المأمورية على الأشخاص الذين قد يدعون ملكية حق من الحقوق العينية وذلك بتقديم التعرض إلى أي من الجهات السالفة الذكر بدون تكبد عناء التنقل إلى مقر المحافظة إلا أن الواقع العملي يبين غير ذلك حيث أن الأمية السائدة والجهل بمسطرة التحفيظ ليس فقط من المواطنين العاديين بل كذلك من بعض رجال السلطة ،وحيث أن الأشخاص يجهلون إمكانية تقديم التعرض أمام المحكمة أو أمام القائد وهذا ما يتجلى عمليا حيث أن شهادة تعليق سواء الخلاطات أو الإعلانات عند انتهاء التحديد تأتي خالية من أي ملاحظات ،بل إن بعض رجال السلطة قد يرجعون  شهادة التعليق إلى المحافظة بمجرد التوصل بالإعلان عند انتهاء التحديد أو خلاصة المطلب أي قبل القيام بتعليقها في مكاتبهم ،وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الجهل بمقتضيات ظهير التحفيظ العقاري .
وعلى المستوى العملي فان القائد أو القاضي غالبا ما يحيل المتعرض على المحافظة بدل تقييد تعرضه لدى القيادة أو المحكمة، وهو ما يخرق قاعدة قانونية مسطريه في ظ. ت .ع .[39] بل إن بعض القيادات لا تهتم بإرجاع شهادة التعليق سواء مضمنة للتعرض أو غير  مضمنة له.
ورغم قصور هذا التعدد عن تحقيق أهدافه وغايته ،إلا أنه لا يمكن أن نقول بأن هذا التعدد يشكل عرقلة لتقديم التعرضات وضياع حقوق المتعرضين ،كما ذهبت إلى ذلك إحدى الباحثات[40] بعلة أن هذه الجهات ليس لها اطلاع واسع في هذا المجال يمكنها من تلقي  التعرضات بكيفية صحيحة وسليمة خصوصا إذا قدمت بشكل شفوي إضافة إلى تعدد مهامها الإدارية .لأننا نعتقد بأن المتعرض الجدي في ادعائه يتابع قضيته في المحافظة ليتأكد من تسجيلها وخصوصا إذا علمنا بأنه يستدعى لأداء الواجبات القضائية وحقوق المرافعة وبالتالي فهذا التعدد إذا لم يساهم في تسهيل الإجراءات فهو لن يساهم في عرقلتها ، فأقل فائدة يمكن جنيها  هي أعلام الغير .
الفقرة الثانية : تقديم التعرض أمام المهندس وأمام المحافظ في
                              مقر المحافظة
إن تقديم التعرض في مقر المحافظة هو الإجراء العادي والذي يدخل في نطاق اختصاصها الأصلي، إلا أنه يمكن أن يتم تقديم التعرض أثناء إجراء عملية التحديد أمام المهندس في عين المكان وهو الغالب في الأمر.
أولا :تقديم التعرض في مقر المحافظة
تعتبر المحافظة هي المعنية بصفة رئيسية بتلقي التعرضات ، وهو ما لا يثير أي مشكل باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصلي ،حيث يحضر الشخص الذي يرغب في إقامة تعرض على مطلب التحفيظ مدليا بطلب يضمن فيه حالته المدنية وما إذا كان يتعرض بصفته كوكيل والحالة المدنية لموكله وان يعين موطنا مختارا ، وأن يبين بدقة رقم المطلب موضوع التعرض ، وتحديد وعاء التعرض فيما إذا كان تعرضا كليا أو جزئيا أو فقط فيما يخص الحدود أو أحد الحقوق العينية ،ويجب تبيان المساحة التي يتعرض عليها وموضعها من الوعاء العقاري بمطلب التحفيظ كما يتم بيان مستندات المتعرض كالإراثات أو رسوم الملكية أو قسمة أو أي وثيقة من شأنها تدعيم تعرضه.
ثانيا :تقديم التعرض أمام المهندس أثناء إجراء عملية التحديد
في اليوم المعين للتحديد يحضر جميع الأشخاص الذين لهم علاقة بالعقار موضوع التحديد بناءا على الاستدعاءات  للتحديد الموجهة إليهم من طرف المحافظ طبقا لما ينص عليه الفصل 19 من ظ ت ع [41] حيث يتم استدعاء :
– طالب التحفيظ
– المالك الغير الطالب للتحفيظ
– أصحاب الأملاك المجاورة المبينين في طلب التحفيظ
–  المتعرضون الذين يعلنون عن أنفسهم بكيفية منتظمة
كما يمكن لأي شخص تهمه عملية التحديد أن يحضر دون استدعاء وفي عين المكان وأثناء التاريخ المحدد لإجراء عملية التحديد ويحضر ولا شك جميع الأشخاص الذين لهم علاقة بالعقار موضوع التحديد.
ولا يخفى ما لمثل هذا التجمع من أهمية في إشاعة الخبر بين الأهالي فينتبه القريب ويعلم البعيد، فتتاح الفرصة لكل من له علاقة أو مصلحة في العقار لكي يتعرض على مطلب التحفيظ [42].
وإذا علمنا بأن المهندس في مثل هذه الحالة يقوم بدور مزدوج فهو من جهة يطوف بالعقار قصد وضع العلامات وتعيين الحدود وتعيين الأجزاء المتعرض عليها من طرف الغير ومن جهة أخرى يقوم باستفسار الحاضرين وقت التحديد عن كل المعلومات التي تفيد التحديد .
وإذا كان المهندس العقاري يتمتع بالخبرة والكفاءة المطلوبة للقيام بعمله من الناحية التقنية ،فانه لا يتوفر في أغلب الحالات على الخبرة والكفاءة القانونية اللازمة مما ينتج عنه في كثير من الحالات صياغة سيئة للحقوق المعبر عنها من طرف المتعرضين والمتدخلين[43] ،  الشيء الذي يستلزم حضور ممثل عن المحافظ [44].
المبحث الثاني :
القواعد القانونية المنظمة لتقديم التعرض
يحضى التعرض بأهمية وخصوصية في مسطرة التحفيظ لأنه يعتبر الضمانة الوحيدة المخولة للغير في حماية ملكيته التي قد يقدم بشأنها مطلب للتحفيظ. فهو وسيلة لمنازعة طالب التحفيظ فيما يدعيه لنفسه ،وهو كذلك وسيلة للتداعي أمام القضاء ،هذه الأهمية فرضت على المشرع أن يقر له نصوصا خاصة لتنظم هذه المؤسسة وكيفية ممارستها، متوخيا حماية الملكية من الترامي والتعسفات سواء من طرف من يقوم بتقديم مطلب التحفيظ أو من المتعرضين الذين يهدفون إلى عرقلة مسطرة التحفيظ. فهل هذه القواعد القانونية المنظمة لتقديم التعرض تحقق الهدف المنشود من وضعها؟ أم أنها لا تزال قاصرة عن الوصول إلى الهدف المنشود ؟ ذلك ما سنتطرق له في هذا المبحث مخصصين مطلبا أولا لدراسة هذه القواعد من حيث شكل التعرضات ومؤيداتها وصورها على أن نعالج في المطلب الثاني كل من أجل تقديم هذا التعرض والرسوم القضائية .
المطلب الأول : شكل التعرضات ومؤيداتها وصورها
يعتبر الشكل الذي يقدم  به  التعرض والمستندات التي يمكن أن يؤسس عليها من أهم الوسائل التي يستند عليها المحافظ والقاضي أثناء البت في التعرض بالقبول أو الرفض من طرف  المحافظ ،أو الحكم بصحتها أو عدم صحته من قبل المحكمة  عندما يصل مطلب التحفيظ إلى المرحلة القضائية،  فهل استطاع المشرع المغربي أن يقدم ضمانة لحماية الملكية من خلال هذا التنظيم ؟.
ذلك ما سوف نعالجه من خلال هذا المحور سواء فيما يخص عدم تقييد تقديم التعرض بشكل معين (فقرة أولى ) أو فيما يتعلق بالمستندات ومؤيدات التعرض (فقرة ثانية )  على أن نعالج في (الفقرة الثالثة) صور هذا التعرض .

الفقرة الأولى :عدم تقييد التعرض بشكل معين .
لقد جاء في الفصل 5 من ظ. ت .ع .أنه ” تقدم هذه التعرضات مشافهة إما للمحافظة وإما لمحكمة  السدد وإما لمكاتب القائد وإما لمركز قاضي التوثيق ويمكن أن توجه التعرضات كتابة …” .
فالواضح من خلال هذا الفصل أن المشرع لم يجعل من الكتابة شرطا ضروريا  لتقديم التعرض بحيث يمكن أن يقدم شفهيا أو كتابيا  ، ومعنى هذا أنه يمكن تلقي التعرضات لدى المحافظات بكيفية شفوية حيث يتقدم المتعرض ويدلي بتصريحاته ومزاعمه مباشرة شريطة أن يتوفر على المعلومات الكافية والضرورية لتعيين العقار موضوع التعرض كما يمكن تلقيها بصورة كتابية [45] .وهو ما أكده  الحكم الصادر عن ابتدائية وجدة والذي جاء في إحدى حيثياته :” أن تقديم التعرض لا يخضع لشكليات معينة بل يمكن أن يحصل بمجرد تصريح شفوي بصريح الفصل 25 من ظ ت ع “[46]  ليتم تحرير محضر تلقي التعرض في نظيرين يسلم للمتعرض أحدهما[47]  ويحتفظ بالثاني مع الوثائق والحجج ووسائل الإثبات الأخرى التي يعتمد عليها في إثبات ادعائه بالمحافظة العقارية ، بعد تسجيلها في سجل التعرضات وإذا ما قدم التعرض إلى جهات أخرى ينبغي أن تعمل هذه الأخيرة على إرساله فورا إلى المحافظة العقارية [48]
وهذا يدل على أن المشرع المغربي بسط هذا الإجراء إلى أبعد الحدود،  والرأي فيما نعتقد أن هذا جاء مراعاة لتفشي ظاهرة الأمية بشكل كبير في العالم القروي حيث أن تقديم التعرضات بشكل شفوي يسهل مهمة التواصل بين الموظف الذي يتلقى التعرضات والمتعرض الذي يحدد كل ما يتعلق بتعرضه بدقة متناهية، لكن رغم هذه التسهيلات فان المشرع المغربي فرض ضرورة توفر بيانات معينة في طلب التعرض تتمثل أساسا في الإدلاء باسمه وعنوانه وما إذا كان يتعرض بصفته الشخصية أو نيابة عن غيره وفي هاته الحالة عليه أن يبين اسم منوبه وعنوانه ويثبت صفته كنائب أو وكيل طبقا لما جاء في الفصل 26 من ظ ت ع .
وإذا كان بعض الفقه[49] يشترط ضرورة تعيين موطن مختار في مقر المحافظة، فإننا نعتقد بأن هذا الشرط لا فائدة منه ما دام أن  المراسلات تتم عن طريق البريد ومادام أن المصالح الخارجية للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية ترتبط مباشرة بالإدارة المركزية ذالك أنه عمليا  يتم مراسلة المتعرضين في أي موطن يعينونه كما يجب بيان المراجع المتعلقة بالعقار المراد التعرض عليه خصوصا رقمه ،وبصفة عامة كل ما يفيد في التعرف عليه ويجب بيان الحق العيني المتعرض عليه شريطة أن يكون قابلا للإشهار بالرسم العقاري  الذي سيقام للعقار فيما بعد [50]  كما يجب تحديد مجال هذا التعرض وما إذا كان يشمل كل العقار أم  يتعلق بجزء منه فقط أم أنه يتعرض على الحدود [51] .
كما يجب على المتعرض أن يتأكد من أن مطلب التحفيظ الذي ينوي التعرض بشأنه لم يدخل عليه أي تغيير بسبب وجود مطلب تعديلي ،لأن كل مطلب تعديلي ينشر في شكل خلاصة إصلاحية وتفتح بشأنه أجال جديدة للتعرض[52] ،  وجدير بالذكر أن الحقوق  التي يمكن التعرض عليها هي تلك التي تكون موضوعا للخلاصة الإصلاحية .كما أنه لا يمكن تقديم أي تعرض خارج أجل الشهرين بعد نشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية، ولا يجوز للمتعرض أن يوسع من نطاق تعرضه ولكن يمكن تقليصه[53] . وعلى  عكس ذلك يرى الأستاذ محمد خيري بأنه يمكن أن يوسع في نطاق التعرض حيث يمكن اعتباره كمطلب إضافي يتعلق بالطلب الأصلي نفسه ويكون مقبولا شكلا ولاسيما أن تعيين مدى التعرض في العقار يتوقف على عمليات البحث والاستقصاء التي تظهرها السندات التي بنى عليها المتعرض  مطالبه على الرغم من صراحة مطلبه الأساسي، كما يبين في طلبه الحقوق والرسوم والوثائق التي يرتكز عليها في تعرضه[54].
إن ذكر هذه البيانات في عمقه هو حماية للمتعرض لأن معرفة هذه البيانات يسهل على القضاء البث في القضية، ويجب على المتعرض أن يتحرى الدقة في هذه البيانات لأن من شأن إعطاء بيانات مغلوطة أن توقع المتعرض في تناقض مع الحجج والمستندات التي سيقدمها تأييدا لتعرضه  .
الفقرة الثانية: مستندات التعرض ومؤيداته .
إن تقديم مطلب للتحفيظ يعتبر قرينة على ملكية طالب التحفيظ ولكنها قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس بحيث يحق لكل متعرض أن يدحض هذه القرينة وذلك بتقديم كل المستندات والوثائق التي تثبت حق هذا المتعرض ، بما أن طلب التحفيظ هو افتراض للملكية[55]  ويجب على المتعرض أن يقدم نوعين من المؤيدات الأولى ترتبط بالعقار موضوع التعرض والثانية ترتبط بصفة المتعرض وهو ما يتضح من منطوق الفصلين  25[56]  و 26 من ظ ت ع، و من خلال قراءة محتوى هذين الفصلين يتبين أن المشرع المغربي ترك المجال واسعا للإدلاء بالحجج رسمية كانت أم عرفية قصد  تعضيد طلب التعرض .
وإلزام المتعرض بإثبات عكس طلب التحفيظ من خلال هذه المستندات يجعله في مركز المدعي[57] سواء كان حائزا أو غير حائز  للحق الذي يطالب به بينما القواعد العامة تقتضي إعطاء الحائز دور المدعى عليه وهو امتياز مهم ،ويعطيه حق البقاء في العقار إلى أن يثبت غير الحائز حقه على العقار[58] ، ولعل مصدر هذه القاعدة  الغريبة هي الفقرة الثانية من الفصل 377 من ظ ت ع والتي  اعتبرت المتعرض مدعيا يقع عليه عبء الإثبات ، والتي أخد بها الاجتهاد القضائي مند العشرينيات بصورة غير منطقية دون الأخذ بعين الاعتبار القواعد الإسلامية في الإثبات خاصة ما يتعلق بالحيازة[59] .
ونعتقد بأن تأسيس هذه القاعدة جاء في حقبة تاريخية لخدمة أهداف المعمرين في تملك الأراضي التي قد يكتسبونها بواسطة الشراء من المغاربة ، فلمواجهة ما استقر عليه الفقه الإسلامي عندما حمل عبء الإثبات لغير الحائز انطلاقا من القاعدة الفقهية “من سبقت يده على شيء فانه لا يخرج من يده إلا بيقين”  ثم إنشاء هذه القاعدة والتي لا تعترف بدور الحيازة في إثبات الملكية ،كما أنه في تلك الفترة لم تكن هناك مستندات ملكية للإثبات بسبب الشياع العرفي والملكية الجماعية وهو ما يجعل الحائز في وضع هش أمام طالب التحفيظ. ونعتقد أن انتهاء هذه الحقبة الزمنية والغاية التي تأسست من أجلها هده القاعدة يحتم ضرورة التفكير في إلغائها والعودة إلى الأصل باعتبار المدعي هو من يدعي  خلاف الثابت أو خلاف ظاهر الأمور وهي الحيازة لا مطلب التحفيظ من أجل حماية المالك الحقيقي وخصوصا أنه لا يوجد نص في التشريع المغربي يلزم المحافظ بمراقبة مستندات إيداع مطلب التحفيظ .
إلا أن الاجتهاد القضائي مؤخرا أصبح يتجه إلى التليين من هذا المبدأ بإقرار إمكانية الترجيح بين حجج طالب التحفيظ وحجج  المتعرض، وهذا ما جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى عندما اعتبر أنه لا يوجد ما يمنع قضاة الموضوع من الأخذ بعين الاعتبار حجج طالب التحفيظ لتقدير حجج المتعرض[60] . كما نعتقد بأن على المحافظ العقاري أن يراعي واقع الحيازة أثناء تقديم مطلب  التحفيظ وذلك بإشهاد  لفيفي. وما سيتأكد أثناء إجراء عملية التحديد كما يجب على المشرع المغربي أن يلزم المحافظ بمراقبة المستندات وما إذا كانت صالحة لإيداع مطلب التحفيظ، وخصوصا ونحن نعلم بأن مسطرة التحفيظ ذات طابع تطهيري بالنسبة للحقوق التي لم تظهر أثناء سريان هذه المسطرة .
الفقرة الثالثة : تعدد صور التعرضات
عرف الأستاذ مأمون الكزبري التعرض على أنه “ادعاء يتقدم به أحد من الغير ضد طالب التحفيظ بمقتضاه ينازع  في أصل حق ملكية طالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق ، أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه ،أو يطالب بحق عيني مترتب له على هذا العقار وينكره عليه طالب التحفيظ الذي لم يشر إليه في مطلبه”[61]  .
من خلال هذا التعريف يتبين بأن التعرض قد يأتي في عدة صور، وتبعا لذلك فان طبيعة الحق الذي يدعيه المتعرض هو المتحكم في نوع التعرض الذي يمكن أن يتقدم به طالب التحفيظ ، لذلك فقد يكون تعرضا كليا أو جزئيا ،كما قد ينصب حول الحدود، أو على حقوق مشاعة أو تعرض في شأن المطالبة بحق عيني مترتب على العقار .
أولا : التعرض الكلي. 
هو التعرض الذي ينازع بمقتضاه المتعرض في حق ملكية طالب التحفيظ في شأن العقار بأكمله، لذلك فان المستندات التي يتم تقديمها بهذا الشأن غالبا ما تتكون من عقود ومستندات تثبت الملكية، وقد يقدم هذا التعرض من طرف الشخص الذي يدعي ملكية العقار موضوع مطلب التحفيظ أو يستنتج من خلال إيداع مطلبي تحفيظ على نفس الوعاء العقاري، وكمثال حي لهذا النوع الأخير فان الدولة المغربية قدمت مطلب تحفيظ يشمل جل الوعاء العقاري للمجال الحضري لمدينة تاوريرت مما يجعل جل مطالب التحفيظ المدرجة من طرف الخواص في تعرض متبادل مع هذا الأخير، وهذا المطلب هو 15832/02 موضوع الملك المسمى “دائرة تاوريرت المخزنية ” وهذا الأمر يطرح إشكالية قانونية تتعلق بقبول التعرضات خارج الأجل  و أنه يحول دون الإسراع في تأسيس الرسوم العقارية لمطالب التحفيظ المودعة وتبين أنها في تعرض متبادل مع هذا المطلب .
وتجدر الإشارة إلى أن مطالب التحفيظ التي تم تحفيظها عن طريق تجزيئي المسطرة ونشر خلاصة إصلاحية في هذا الإطار قليلة جدا وهي المطالب التي استطاع أصحابها الحصول على شهادة رفع اليد عن التعرض من إدارة الأملاك المخزنية بعد الإدلاء لها بما يفيد أن الدولة سبق لها أن فوتت هذه الأملاك مع الإشارة إلى أن هذا المطلب قد تمت إحالته على المحكمة الابتدائية بوجدة مند سنة2006  بمعية جميع مطالب التحفيظ الأخرى التي توجد في حالة تعرض متبادل معه وهي تعد بالعشرات ، وان هذه المصلحة لازالت ترسل لحد الآن إلى المحكمة كل مطلب يوجد في حالة تعرض متبادل مع  هذا المطلب وأعلن عن انتهاء تحديده وهو ما يطرح إشكالا بخصوص قبول التعرض خارج الأجل[62] لأن هدا المطلب  انتهى أجل التعرض عليه بإحالته على المحكمة وبالتالي لم يعد  الحق للمحافظ في قبول التعرضات الاستثنائية ، وإنما أصبح هذا الحق من اختصاص وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية. لذلك فقبول المحافظ إيداع مطالب للتحفيظ تشكل تعرضا متبادلا مع مطلب التحفيظ المودع من طرف الدولة هو خرق لمقتضيات المادة 29 من ظ ت ع  نظرا لتطاوله على اختصاصات وكيل الملك.
ثانيا :التعرض الجزئي .
وهو التعرض الذي ينصب على جزء من الوعاء العقاري لمطلب التحفيظ كأن يكون المتعرض يستند إلى عقد بيع جزئي لقطعة من الوعاء العقاري لمطلب التحفيظ قبل إيداعه. وقد يكون هذا التعرض الجزئي متبادلا كتداخل مطلبين للتحفيظ في شان قطعة تدخل في وعائهما معا ، وهذا ما يستدعي إجراء تحديد تكميلي قصد تحديد وعاء هذا التعرض الجزئي قبل إحالته على المحكمة.
ثالثا : التعرض على الحدود
ويقترب هدا التعرض من التعرض الجزئي حيث انه يتعلق هو أيضا بجزء من مطلب التحفيظ فقط إلا أن هذا المتعرض لا ينازع في حق الملكية وإنما ينازع في حدود مطلب التحفيظ وإذا كانت عملية التحديد المؤقت قد أجريت لهذا المطلب فان المتعرض يطالب بإجراء تحديد تكميلي لتغيير الأنصاب .
رابعا : التعرض على حقوق مشاعة .
هو التعرض الذي يدعي فيه المتعرض ملكية نصيب على الشياع في مطلب التحفيظ كما هو الشأن بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالتركات بين الورثة أنفسهم حينما يتقدم بعضهم بطلب تحفيظ كل التركة دون إدخال بقية الورثة.
خامسا : التعرض حول أحد الحقوق العينية.
هذا التعرض يدعي من خلاله  المتعرض ملكية حق عيني قابل للتسجيل بمطلب التحفيظ كما هو الشأن في النزاع الذي يكون بين طالب التحفيظ بوصفه مالكا للعقار وبين المتعرضين الذين يدعون حق السطحية أو ملكية بعض الطبقات أو أن يكون المتعرض حائزا للعقار اعتمادا على عقد رهن حيازي ويطلب تسجيل هدا التكليف على العقار .
إن تعدد صور التعرض فيه تبسيط للمسطرة عن طريق تحديد النقاط المنازع في شأنها لان المحكمة لا يمكن إن تجيب إلا في حدود الطلبات المقدمة إليها وأن هذا التعدد يمكن المتعرض من بلورة ادعائه وفق صورة معينة من هذه الصور حيث يسهل على المحكمة إجراءات التحقيق بتحديد نقط النزاع.
المطلب الثاني: الأجل والرسوم القضائية.
تعتبر مسطرة التحفيظ مسطرة تطهيرية في الأساس، حيث أنه لا يعترف إلا بالحقوق التي سجلت في كناش التعرضات أثناء سريان مسطرة تحفيظ عقار ما،  وبالتالي فإن أي شخص ينازع طالب التحفيظ في حق من الحقوق فإنه يكون ملزما بتقديم تعرضه أثناء مسطرة التحفيظ قبل انصرام الأجل المحدد لذلك ( فقرة أولى)، كما أنه لقبول هذا التعرض وتسجيله في كناش التعرضات لابد من أداء رسوم قضائية وحقوق المرافعة في صندوق هذه المحافظة ( فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: أجل تقديم التعرضات
لقد كان المشرع المغربي مرنا في تحديده لأجل التعرضات حيث قرر قاعدة حدد فيها أجل التعرض، وأوجد استثناءات لهذه القاعدة، يمكن بواسطتها تقديم التعرض ولو خارج الأجل، ولهذا فإن إمكانية التعرض تبقى متاحة حتى خارج الأجل[63].
أولا : التعرضات داخل الأجل.
يبدأ أجل التعرض منذ إيداع مطلب التحفيظ وبالتالي فطيلة مسطرة التحفيظ يمكن لكل شخص أن يقدم تعرضه، ولا ينتهي هذا الأجل إلا بعد مرور شهرين على نشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية طبقا لما جاء في الفصل 23 [64]  من ظهير التحفيظ العقاري.
هذا بالنسبـة للتعـرض داخل الأجل وتفيد عبارة يمكن أن يسقط حق التعرض الوارد فـي الـفصل 23 أدنـاه فـي وجـود استثنـاءات علـى هـذا الأجــل، فما هي هـذه الاستثناءات ؟
ثانيا : التعرضات خارج الأجل.
يقصد بالتعرض خارج الأجل أو التعرض الاستثنائي ذلك التعرض الذي يتقدم به الغير بعد انتهاء الأجل المحدد في الفصل 23 من ظهير التحفيظ العقاري، بناء على ترخيص من المحافظ على الأملاك العقارية والرهون أو وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية كل في نطاق اختصاصه[65]. وهو منظم بمقتضى الفصل 29 من ظهير9 رمضان 1331 [66].
إذن فهذا التعرض يمكن كل شخص تعذر عليه تسجيل تعرضه لسبب معقول وحتى ولو لم يكن قاصرا داخل الآجال العادية أن يقدم تعرضه ” خارج الأجل”، ويتم هذا الترخيص إما من طرف المحافظ قبل إحالة الملف على المحكمة و إما من قبل وكيل الملك بعد إحالة الملف عليها، ويمكن تلخيص الأسباب المعقولة كما أشار إليها أحد الفقه[67] في حالتين:
  • إما أن المعني بالأمر لم يطلع على الإشهار وعلى وجود مطلب للتحفيظ، أو أنه لم يتمكن لسبب من الأسباب من تسجيل التعرض في الآجال العادي.
  • أو كانت هناك دواعي جدية تخول اكتساب الحق غير العادي لقبول التعرض خارج الأجل.
وفي الحالة التي يقبل فيها وكيل الملك التعرض الاستثنائي فإنه يجري التحقيق في شأنه دون إرجاع الملف إلى المحافظ[68].
وبخصوص قبول تعرضات استثنائية من طرف المحافظ بعد صدور أحكام قضائية باتة في النزاعات السابقة وبعد إرجاع الملف إليه، فيكفي أن نشير إلى أن مقتضيات الفصل 29 جاءت صريحة في أن للمحافظ استثناء قبول التعرض خارج الأجل مادام الملف لم يوجه إلى المحكمة فبالأحرى عند صدور أحكام قضائية نهائية، وهذا ما كان موضوع مراسلة الوزير الأول ووزير العدل جوابا على كتاب السيد الأمين العام للحكومة مؤرخ في 24/12/1999 تحت عدد 2289 [69] .
وباعتبار التعرض الاستثنائي يشكل أكبر عرقلة في وجه تأسيس رسم عقاري لمطلب قطع كل أشواط المسطرة بدون إبداء تعرض عليه حيث يبقى مصيره بيد السلطة التقديرية للمحافظ ، مما جعل آراء فقهية تختلف حول أهمية مؤسسة التعرض الاستثنائي فهناك من ينادي بإلغائها ، وهناك من ينادي بالإبقاء عليها.
ويستند الاتجاه الأول المنادي بإلغاء التعرض الاستثنائي ،على تعارضه مع التوجه العام الرامي إلى نشر التحفيظ العقاري وتعميمه، ذلك أن قبول هذا التعرض يتسبب في إطالة مسطرة التحفيظ وإطالة أمد النزاع وهذا ما يؤدي إلى العزوف عن الإقبال عن تحفيظ الأراضي[70] ،هو ما يتعارض مع رغبة الدولة في القضاء على ازدواجية النظام القانوني الذي يخضع له العقار، وهناك من الفقهاء من ينادي باستبدال مؤسسة التعرض الاستثنائي بمؤسسة التدخل أمام المحكمة أثناء البت في ملف  التحفيظ [71].
كما أن هذا النظام يتعارض مع مفهوم النشر بالجريدة الرسمية، ذلك أن نظام السجل العيني يعتمد عملية إشهار واسعة بقصد إعلام الغير بالحقوق العينية قبل تحفيظها [72]. فهذه الإجراءات يكون الغرض منها إعلام الغير بتقديم مطلب للتحفيظ خاصة وان المشرع المغربي رتب على النشر بالجريدة الرسمية قرينة قانونية على علم الكافة بعملية النشر التي تتضمن كافة بيانات مطلب التحفيظ، وبالتالي فإن قبول التعرض الاستثنائي يتعارض مع الهدف من النشر في الجريدة الرسمية[73] وفي هذا الاتجاه ذهب مشروع تعديل قانون التحفيظ العقاري لسنة 1997 الذي ألغى التعرضات الاستثنائية مع الزيادة في أجل تقديم التعرضات العادية من خلال المادة  44 منه .
أما بالنسبة للاتجاه المنادي بضرورة الإبقاء على مؤسسات التعرض الاستثنائي فهو يستند أساسا على ما تحققه من عدالة، ولأنها وسيلة للتخفيف من الأثر التطهيري المطلق للحقوق التي لم تظهر خلال مسطرة التحفيظ. وكلما يتطلب في الأمر هو أن يكون التعرض جديا فعوضا عن المس بالحجية المطلقة للرسم العقاري، ولإعطائها سندا تقوم عليه فإنه يجب ترك هذه المؤسسة تقوم بدورها لتطهير العقار من أي حق احتمالي قد يرد عليه [74].
كما يستند هذا الاتجاه إلى أن تقنية الإشهار لا تقوم بتحقيق الغاية من إنشائها لأنها لا ترفع الجهالة بسبب انتشار ظاهرة الأمية، كما أن هناك أشخاص لا يعرفون حتى بوجود شيء اسمه الجريدة الرسمية. فكيف يمكن أن تنتج آثارها اتجاههم. وبالتالي  فإن هذه المؤسسة لها دور أساسي في حماية حقوق الأغيار والملكية العقارية[75].
والرأي فيما نعتقد أن الاتجاه الثاني كان أقرب إلى الصواب بالنظر لواقعيته في مقاربة مؤسسة التعرض الاستثنائي وإن كنا نرى ضرورة تقييد السلطة التقديرية التي يتمتع بها المحافظ  في قبول التعرضات الاستثنائية ، وذلك بالنص من طرف المشرع على الحالات التي يجوز فيها قبول تعرض استثنائي، و إلزام المحافظ بتعليل قراره إما بالقبول أو الرفض، والذي يجب أن يكون قابلا للطعن.
وبهذا يمكن التوفيق بين هدفين حماية الملكية العقارية وحقوق الأغيار، وسرعة  البت في قضايا التحفيظ وهو ما ذهب معه مشروع تعديل قانون التحفيظ العقاري لسنة 2007 الذي حافظ على هذه المؤسسة.
الفقرة الثانية : الرسوم القضائية .
يلزم المتعرض بتقديم الرسوم القضائية المحددة قانونا إلى مصلحة المحافظة العقارية، وإن كان معسرا فعليه أن يطلب المساعدة القضائية[76]، وهذا ما جاء في الفقرة الرابعة من الفصل 32 من ظ ت ع [77]. وفي الغالب فإن المتعرضون لا يلجئون إلى طلب المساعدة القضائية نظرا لملائة ذمتهم، وأيضا لانخفاض قيمة الوجيبة القضائية وحقوق المرافعة [78] كما أن المتعرض تعرضا جزئيا  يكون ملزما بدفع واجبات التحديد التكميلي  قصد تحديد وعاء تعرضه، الذي يتطلب إجراء عملية طبوغرافية من طرف مصلحة المسح العقاري .
وكل تعرض لم تؤدى عنه الرسوم القضائية يعتبر وكأنه لم يكن، وذلك بعد إنذار المتعرض من طرف المحافظ وتحديد أجل 3 أشهر لدفعها مع وجود ما يثبت توصله بالإنذار عن طريق السلطة .
وتذهب إحدى الباحثات [79] إلى أن هذا فيه شيء من العنت وذلك في الحالة التي يكون فيها المتعرض معسرا ، فتضيع حقوقه لا  لشيء، إلا لأن إمكانياته المادية لا تسمح له بدفع مصاريف القضاء ، خاصة وأن الأغلبية لا يعلمون بوجود الإمكانية للحصول على المساعدة القضائية وإجراءاتها وهو مالا نؤيده نظرا لانخفاض قيمة هذه  الرسوم فمن يملك عقارا لا يمكن أن يحول مبلغ 160 درهم دون المطالبة باسترجاع عقاره، وخصوصا إدا علمنا أن مصاريف إجراءات الحصول على المساعدة القضائية قد تفوق هدا المبلغ، إضافة إلى أن فرض مثل هذه الرسوم  سيبن الشخص المتعرض تعرضا كيديا من غيره،فالذي يريد أن يتعرض  تعرضا كيديا قد تردعه هذه الرسوم فيتوانى عن ممارسة التعرض. وهو الثابت من الناحية العملية خصوصا إذا كانت هذه الرسوم مصحوبة بالرسوم المتعلقة بإجراء التحديد التكميلي. وبهذه الوسيلة سنحافظ على حقوق طالب التحفيظ من التعرضات الكيدية، وعلى حقوق المتعرض تعرضا جديا بانخفاض الرسوم القضائية، خصوصا إذا علمنا بأنه لا يتم أدائها فورا فقد يسجل التعرض بكناش التعرضات ليتم بعد ذلك إنذار المتعرض بأداء الرسوم القضائية.
وفي الأصل فان هذه الرسوم تدفع للمحكمة لأنها بمثابة وجيبة قضائية وحقوق المرافعة، وهو ما كان العمل به قبل صدور ظهير 1954 المغير للفصل 32 من ظهير 1913 حيث كان يطلبها القاضي المقرر، وكانت المحكمة هي التي تحكم بإلغاء التعرض في حالة عدم الأداء. أما بعد صدور ظهير 1954المشار إليه فقد أصبح المحافظ هو المكلف باستيفاء هده الرسوم لفائدة المحكمة وهو الذي يلغي التعرض في حالة عدم الأداء [80] وقراره هذا لا يقبل الطعن .
وهذا ما كان محط انتقاد .حيث انه قبل صدور ظهير 1954كان قرار المحكمة في هذا الشأن قابلا للإسثئناف، وبعد صدور هذا الظهير أصبح قرار المحافظ بإلغاء التعرض نهائيا وغير قابل للطعن .
إلا أننا نذهب إلى أن المحافظ يجب أن يستند فقط إلى ما يثبت توصل المتعرض بالإنذار الموجه إليه قصد أداء واجبات التعرض، والذي يعتبر كسند لرغبة المتعرض في عدم متابعة مسطرة التعرض.
وتجدر الإشارة إلى أن التعرضات المتبادلة بين مطلبين للتحفيظ لا تؤدى عنها الواجبات القضائية وحقوق المرافعة ،لأن واجبات إيداع مطلب التحفيظ تقوم مقام ذلك، إذ يسجل التعرض بناءا على ملاحظات مصلحة المسح العقاري والتي لديها الوسائل التقنية والخرائطية التي تمكنها من معرفة مدى وجود تعرض متبادل من عدمه ،وهو ما تقوم بتدوينه في محضر التحديد وفي التصميم والمطبوع المسلم لطالب التحفيظ قبل إيداع المطلب[81]. ونعتقد بان على المحافظة أن تخصم هذه الرسوم من واجبات إيداع مطلب التحفيظ الذي أودع لاحقا باعتباره هو المتعرض الذي يتحمل عبء الإثبات[82]  لتحولها إلى حساب المحكمة لأن هذه الرسوم تستحق للمحكمة وليس للمحافظة. وهو ما لا يتم في الميدان العملي.
وخلاصة لما سبق فإن الغاية من تنظيم مسطرة التعرض هو حماية الملكية، والتي نعتقد بأن تفعيل هذه الحماية رهين بمراجعة معوقات هذه المسطرة التي سبقت الإشارة إليها والتي بتجاوزها سيتم تأسيس رسم عقاري نهائي في اسم المالك الحقيقي للعقار وهو غاية المشرع من ظهير التحفيظ العقاري .
الفصل الثاني:
حماية الملكية من خلال طرق البث الإداري في التعرض
تمر مسطرة التحفيظ بمراحل متعددة وتستدعي القيام بأعمال قانونية ومالية، والأصل فيها أنها مسطرة إدارية، إلا أنها قد تتخللها مرحلة قضائية استثناء، في حالة وجود تعرضات على هذه المطالب، والمحافظة العقارية هي التي تختص بالجانب الإداري لعملية التحفيظ. فهي التي تتلقى مطالب التحفيظ، وتتلقى التعرضات على هذه المطالب، وما يتعلق أيضا بالوثائق والمستندات المؤيدة لها، والرسوم القضائية، ومصالحة الأطراف وتراقب الأجل.
وبالرغم من أن المحافظ العقاري هو مجرد موظف إداري، فإن الدور الذي يقوم به في مجال التعرضات، دور كبير جدا، إذ يستطيع البت في التعرضات التي بين يديه إداريا، وهو ما يتعدى حدود الدور العادي للموظف الإداري، وهذا ما يتجسد أساسا في القرارات التي يتخذها بهذا الشأن مع العلم أنها تكون أحيانا غير معللة وغير قابلة للطعن الإداري، ولا حتى القضائي[83].
وهكذا فالمحافظ يتمتع بسلطة واسعة في رفضه للتعرض أو قبوله، وإذا كان التعرض لا يثير إشكالا طالما كان مستوفيا لشروطه الشكلية والجوهرية المتطلبة إذ يتم قبوله في هذه الحالة. فإن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للتعرض الغير مستوفي للشروط القانونية، وإذا كان المحافظ قد يتخذ قرارات في شأن التعرضات إما بالإلغاء  أو بالإبقاء، فإنه قبل ذلك يلجأ إلى محاولة المصالحة الحبية بين الأطراف، والتي عند نجاحها تعتبر طريقة من طرق البت الإداري في التعرض، فما مدى فعالية القرارات المتخذة من لدن المحافظ بشأن التعرضات سواء بالقبول أو الرفض أو ما يتعلق بالإلغاء؟ فما هو الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه المحافظ  في محاولة إجراء تصالح بين الطرفين؟
ذلك ما سنتطرق إليه من خلال معالجتنا لهذا الفصل، مقسمينه على الشكل التالي:
  • المبحث الأول: فعالية القرارات المتخذة من لدن المحافظ في شأن التعرضات.
  • المبحث الثاني: الدور الإيجابي للمحافظ في محاولة مصالحة الأطراف. 
المبحث الأول:
فعالية القرارات المتخذة من لدن المحافظ في شأن التعرضات.
إن تقديم طلب التعرض يفرض على المحافظ اتخاذ قرار بشأنه، وذلك إما بقبوله أو برفضه.
فعندما يقدم هذا التعرض داخل الأجل، ومستوف لكافة الشروط القانونية التي ذكرناها في إطار المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا البحث فإنه يتم قبوله.
أما في حالة عدم توفر هذه الشروط، فإنه يكون من حقه رفضه أو إلغاؤه إذا كان مسجلا بكناش التعرضات وهذه القرارات قد تقبل الطعن في بعض الحالات.
المطلب الأول: قرارات القبول.
إن قبول التعرض من قبل المحافظ هو دليل على توفر الطلب على جميع الشروط الشكلية والجوهرية، ويدل أيضا على جدية المطالب التي تقدم بها المتعرض، خاصة إذا كان يستند في ذلك على وثائق وحجج قوية، الشيء الذي يجعل المحافظ لا يتردد في قبوله. [84]
وقبول التعرضات يدخل في إطار السلطات التقديرية للمحافظ العقاري، وهو ما ذهب إليه قرار المجلس الأعلى[85]  حيث جاء فيه «… إن أمر قبول التعرض موكول إلى المحافظ في إطار سلطته التقديرية التي تخول له القبول، وأن قبول التعرض خارج الأجل غير مقيد بعقد أو أي شرط، وأن تقدير الظروف والأسباب موكولة إليه»
وقبول التعرض لا يعني بشكل آلي إثبات الحقوق المتنازع فيها أو نفيها، وإنما يدل على منازعة جدية لمطلب التحفيظ والتي قد تؤدي إلى إحالته على المحكمة في الحالة التي لا ينتج عن المرحلة الإدارية البت في هذا التعرض.
وعند قبول التعرض، يقوم المحافظ فورا بتبليغه إلى طالب التحفيظ، تفعيلا لدوره الإيجابي في مسطرة التحفيظ، طبقا لما هو منصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 31 من ظ ت ع [86].
وهو ما لا يفوت على طالب التحفيظ فرصة ربح الوقت لمحاولة رفع التعرض أو للتحقق من جديته ليقبله، ولعل هذا التبليغ المبكر هو ما يساهم في إطلاع طالب التحفيظ بوجود نزاع بخصوص ما يدعي ملكيته فيلجأ إلى محاولة تصفية النزاع بشكل ودي إن جزئيا أو كليا، لأن مرور فترة طويلة على إيداع مطلب التحفيظ وعدم إخبار طالب التحفيظ بوجود تعرض على مطلبه، يجعله يعتقد مع طول هذه الفترة أن المسطرة سليمة، مما يجعله يتعنت أمام المتعرض بعدم قبول التعرض، ولا يحاول رفعه مما يطيل المسطرة ويعقدها.
ومن أجل تحديد هذا الموقف الذي يجب أن يكون داخل أجل شهر من التبليغ أو على الأقل من تاريخ اختتام المسطرة ،طبقا لمنطوق الفصل 31 من ظ ت ع، فإنه يحق لطالب التحفيظ أن يطلع في عين المكان على الوثائق والمستندات التي يكون المتعرض قد أودعها بالمحافظة العقارية[87]  تدعيما لتعرضه.
وما نلاحظه على المستوى العملي في المحافظات العقارية هو أن كثرة القضايا وتراكم الملفات وكثرة الإجراءات والإرساليات ذات الطبيعة الداخلية، جعلت المحافظين لا يعطون الأهمية الخاصة لتبليغ طلاب التحفيظ بالتعرضات الواقعة على مطالبهم، مما يطرح التساؤل بخصوص  خرق منطوق الفصل 31 من ظ ت ع .
وعموما عند قبول التعرض والقيام بإجراءات التبليغ فان موقف طالب التحفيظ لا يخرج عن احتمالين إما إثبات رفع التعرض أو التصريح بقبوله.

الفقرة الأولى : رفع التعرض  
إن الغاية الأساسية من تبليغ طالب التحفيظ بوقوع تعرض على مطلبه تبقى هي وضع حد لهذه المنازعة، وبهذا فان طالب التحفيظ يلجأ إلى تسوية النزاع من أجل رفع التعرض عن مطلبه، ويتقدم إلى المحافظة العقارية ليثبت أنه وضع حدا لحالة التعرض وقام بتصفية النزاع بالوسائل الحبية مع المتعرضين .
فعلى سبيل المثال قد يقوم طالب التحفيظ بحمل المتعرض الذي يدعي وجود رهن له على العقار المطلوب تحفيظه على الرجوع عن تعرضه مقابل قيام طالب التحفيظ بأداء مبلغ الدين الذي كان مضمونا بالرهن[88]  وبذلك يتم رفع التعرض.
والوسيلة العملية التي تجعل المحافظ يتأكد من رفع التعرض، هي أن يتقدم المتعرضون أنفسهم بطلب خطي يفيد إلغاء التعرض أو سحبه أو يصرحون شخصيا لدى المحافظ بتراجعهم عن التعرض حيث يقوم المحافظ بإثبات ذلك في محضر بعد التأكد من هويتهم[89].
ويقوم المحافظ بمراقبة صفة وهوية الأشخاص الذين صرحوا برفع التعرض ، خاصة إذ كان هذا الأخير قد قدم في صيغة طلب , حتى يتمكن المحافظ من إجراء المقارنة بينها وبين تلك البيانات التي كان قد صرح بها عند إقامته التعرض للوقوف على الهوية الحقيقية لطالب رفع التعرض،  وما إذا كان هو نفسه الذي أقام التعرض, وتزداد أهمية  هذه المراقبة عندما يتم رفع التعرض باسم قاصر أو ناقص الأهلية.
إذ لابد من تأكد المحافظ  من سند النيابة وصفة النائب وصلاحياته حيث أن إدارة أموال المحجور تخضع لرقابة القضاء ،عندما تتعدى أمواله 200 درهم طبقا لما لما هو منصوص عليه غي مدونة الأسرة [90] وتبعا لذلك فان أي رفع للتعرض يجب أن يكون مصحوبا بإذن  القاضي ,ضمانا لحماية مصلحة المحجور من التلاعب بها، هذا ويتم تقديم تقريرا سنويا من طرف الولي عن كيفية إدارته لأموال القاصر، طبقا لما جاء في المادة 243 من مدونة الأسرة .
كما قد تثار المسؤولية الجنائية للوصي أو المقدم عند الإخلال بهذه الالتزامات والتي تكتسي طابعا جرميا [91] .
كما أن هناك بعض الحالات التي يصعب فيها رفع التعرض سواء من المتعرض أو طالب التحفيظ، كما هو الشأن في أراضى الجموع والتي لا يمكن للنواب على الجماعة  السلالية  أن يقوموا برفع التعرض كلا أو بعضا إلا بإذن من سلطة الوصايا[92] طبقا لما جاء في الفصل 5 من ظهير 27 ابريل 19199 المتعلق بتنظـيــم
الوصاية الإدارية على الأراضي الجماعية والمعدل بواسطة ظهير 6 فبراير 1963[93].
وهذا ما يساهم في تعضيد هدف حماية الملكية العقارية من خلال حماية حقوق المنوبين من تصرفات نوابهم، وهو ما يحتم على المحافظ التعاطي بكثير من الاحتياط والحذر عند مصادفة هذه الحالات، تماشيا مع دوره الإيجابي في حماية الملكية.
وتجدر الإشارة إلى أن رفع التعرض قد يتم بشكل كلي مما يؤدي إلى إنهاء النزاع وتأسيس الرسم العقاري وقد يتم بشكل جزئي [94]، ليتم تجزيء المسطرة وإجراء تحديد تكميلي لتعيين  وعاء الأجزاء التي لم يشملها التعرض، وتنشر خلاصات إصلاحية في الجريدة الرسمية بهذا الشأن، ليتم تأسيس رسم عقاري للجزء غير المتعرض عليه عند رغبة طالب التحفيظ في سلوك هذه المسطرة.
والثابت في الميدان العملي أن طالب التحفيظ لا يستطيع رفع التعرض الكلي لكون المتعرض ينازع في أصل ملكيته، على عكس التعرض الجزئي أو التعرض على حقوق مشاعة أو على أحد الحقوق العينية القابلة للإشهار بالرسم العقاري، والذي يمكن تسويته حبيا، وخصوصا إذا أدى طالب التحفيظ مقابلا للحق الذي يدعيه المتعرض، أو قام بإقناعه بأن لا حق له في العقار موضوع مطلب التحفيظ.

الفقرة الثانية: قبول التعرض.

إن تبادل المراسلة بين المحافظ وطالب التحفيظ والمتعرضين ذا أهمية بالغة في عملية التحفيظ العقاري، لأنه قد يؤدي إلى تغيير المجرى الحقوقي للتحفيظ كلا أو بعضا[95] ، ذلك أن طالب التحفيظ عندما يتوصل بإخبار من المحافظ بوقوع تعرض على مطلبه  يقوم بالإطلاع على الوثائق ومستندات المتعرض ومعرفة هويته وخصوصا إذا تم إيداعها مع طلب التعرض.
ومن خلال هذا الاطلاع قد يظهر لطالب التحفيظ بأن المتعرض محق في تعرضه، وفي هذه الأثناء يكون من مصلحته قبول التعرض ما دامت البراهين تدل على صحة ادعاءات المتعرض دون اللجوء إلى المحكمة وإطالة أمد النزاع بدون جدوى [96].
كما يجب على المحافظ أن يتلقى تصريحا من طالب التحفيظ ويتأكد من هويته، ومما إذا كان نائبا ،ومستندات هذه النيابة، والإذن من القاضي عند استلزام ذلك وفق ما رأيناه أثناء معالجتنا للمحور الخاص برفع التعرض[97].
وعند تأكد المحافظ من قبول التعرض من طرف طالب التحفيظ فإنه يقوم بنشر خلاصة إصلاحية بمقتضاها تتم متابعة إجراءات المسطرة في اسم طالب التحفيظ الجديد، هذا إذا كان التعرض كليا. ونعتقد بأن هذه الحالة نادرة الوقوع إن لم نقل مستحيلة، لأن طالب التحفيظ لا يمكن أن يعترف بأن الحق للمتعرض بمجرد تقديم مستندات نظرا لأنه ينازعه في أصل ملكيته للعقار موضوع مطلب التحفيظ.
أما الحالة التي يكون فيها التعرض جزئيا ويتم قبوله من  طالب التحفيظ فإن هذا يحتم على المحافظ أن يجزئ المسطرة وينشر خلاصات إصلاحية تتضمن التعديل الذي وقع على مطلب التحفيظ الأصلي، والاستمرار بعد ذلك في المسطرة الإدارية للتحفيظ.
ولما كان التعرض أساس المنازعة في مسطرة التحفيظ حيث لا محيد عنه في ميدان التحفيظ العقاري ضد عمليات الاستيلاء على الأراضي. فإنه بقبول المحافظ لهذا التعرض يلعب دورا إيجابيا في تحقيق الملكية وتأسيس الرسم العقاري في اسم مالكه الحقيقي، وهذا ما نستشفه في الميدان العملي حيث أن المحافظ يقبل التعرضات حتى ولو لم يتم تدعيمها بالمستندات، وفي هذا السياق اعتبرت ابتدائية بركان أنه :”وحيث أنه (المتعرض) لم يعزز تعرضه وقت التصريح بأية وثيقة كما أنه استدعي بصفة شخصية فلم يتكلف بالدفاع عن مصالحه والإدلاء بما يحتج به مما يجعل تعرضه مفتقدا إلى أي مستند فوجب القول بعدم صحته”.[98]
ونعتقد بأن حماية الملكية تقتضي أيضا من المحافظ الذي قبل التعرض بدون مستندات أن يطالب بإيداعها تحت طائلة إلغاء التعرض.لكي لا يساهم هذا القبول الإطلاقي في الرفع من نسبة التعرضات الكيدية التي لا سند لها.

المطلب الثاني: قرارات الإلغاء أو الرفض

عند تقديم التعرضات إلى المحافظ بصفة نظامية ووفقا للآجال والشروط  المقررة قانونا، فإنه يلزم بقبولها، أما في حالة اختلال إحدى هذه الشروط والآجال فقد أعطى المشرع للمحافظ العقاري سلطة واسعة  باتخاذ القرار المناسب في شأنها، وهكذا فبإمكانه رفض التعرض المقدم خارج الآجال (فقرة أولى)، وبإمكانه إلغاء التعرض لعدم أداء الوجيبة القضائية (فقرة ثانية)، أو عدم تقديم الحجج والمستندات (فقرة ثالثة).

الفقرة الأولى: رفض التعرض المقدم خارج الأجل.

يعتبر قبول التعرض خارج الأجل أو رفضه اختصاصا أصليا يمارسه المحافظ في إطار الصلاحيات التي أوكلها له المشرع في تقدير الآجال وقبول التعرضات[99] ،وهو أمر كرسه الاجتهاد القضائي.في عدة قرارات صادرة عن أعلى هيئة قضائية في البلاد ،حيث  اعتبرت الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى أن” قبول التعرضات أو عدم قبولها حسب تقديمها داخل الأجل القانوني أو خارجه يدخل في اختصاص المحافظ على  الأملاك العقارية الذي يتولى تلقي التعرضات وتهيئها قبل إحالة الملف على المحكمة المختصة[100] “، وفي  السياق ذاته اعتبرت في قرار صادر عن الغرفة المدنية أن “أمر قبول التعرض موكول إلى المحافظ  في إطار سلطته التي تخول له القبول، وأن قبول التعرض خارج الأجل غير مقيد بعقد أو أي شرط وأن تقدير الظروف والأسباب موكولة إليه”[101].
وهكذا فإن للمحافظ أن يقبل التعرض أو يرفضه إذا قدم إليه خارج الأجل القانوني الذي هو شهران ابتداء من نشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية، وإذا رفض المحافظ التعرض فإن قراره يعتبر نهائيا غير قابل للطعن.
وهذا ما لا يتلاءم مع فلسفة حماية حقوق الغير التي يعتبر التعرض أهم وسيلة لوقايتها من المزاعم الكاذبة لطالب التحفيظ، وذلك بإظهار هذه الحقوق  قبل صدور الرسم العقاري النهائي غير القابل للطعن والذي يطهر العقار من كل الحقوق السابقة غير المعلنة خلال مسطرة التحفيظ[102].
وقد يطرح السؤال بخصوص إمكانية الطعن  من طرف  طالب التحفيظ في قرار المحافظ بقبول تعرض خارج عن الأجل.
بخصوص هذه الحالة نذهب إلى القول بأن قبول التعرض خارج الأجل من عدمه يدخل في إطار السلطة التقديرية للمحافظ ولا رقابة للقضاء فيما يخص هذا الأجل، وهو ما ذهب إليه المجلس الأعلى في أحد قراراته والذي مما جاء فيه “إن قبول المحافظ للتعرض قبل إحالة ملف المطلب على المحكمة موكول لسلطته وأن المحكمة إنما تبث في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين ونوعه ومحتواه ومداه ولذلك فإن القرار حين رد دفع الطاعنين المشار إليه بعلة أن المحافظ قبل التصرف استثناء خارج الأجل يكون غير خارق لمقتضيات الفصلين 27 و 29 من ظ.ت.ع[103].
وهو ما يعني أن المحكمة لا تملك مراقبة شكليات التعرض أو احترام آجال تقديمه، التي تبقى من اختصاص المحافظ مادام الملف بالمحافظة العقارية.
وفي هذا الصدد يرى الأستاذ محمد الحياني[104] أن سلطة المحافظ لقبول تعرض غير عادي( بمعنى خارج الأجل) … هي سلطة  قانونية ظاهرا مقيدة بنص قانوني وباطنا سلطة تقديرية واسعة لا تحتاج إلى تعليل أو تبرير، ورفض التعرض المقدم خارج الأجل يفوت على المتعرض  فرصة لا تعوض خاصة إذا لم يكن بالملف تعرضات أخرى مما لا يمنحه فرصة اللجوء إلى وكيل الملك، لأن ملف المطلب لن يحال على المحكمة لعدم وجود تعرضات، أما إذا كان التعرض المرفوض والمقدم خارج الأجل مسبوق بتعرض آخر، فإن  للمتعرض فرصة اللجوء إلى النيابة  العامة للمطالبة بقبول تعرضه خارج  الأجل[105]، طبقا للفصل 29 من ظ.ت.ع .
وما يؤكد هذه السلطة التقديرية المطلقة هو صيغة “يمكن  أن يقبل التعرض” الواردة في نص الفصل 29 من ظ.ت.ع.التي تفيد الجواز والاختيار دون الإجبار، زيادة على أن الفصل المذكور لم يلزم المحافظ بتعليل قراره سواء عند القبول أو الرفض،  وهو ما أكدته محكمة  الاستئناف بالناظور حيث جاء في أحد قراراتها[106] “وأن المشرع خول للمحافظ بصفة استثنائية قبول التعرض خارج  الأجــل
مادام لم يوجه للمحكمة وقراره في هذه الحالة نهائي ولا يقبل الطعن.
ونعتقد بأن رفض المحافظ للتعرضات خارج الأجل يجب أن يكون معللا ومبنيا على أسباب معقولة، لأن المشرع منحه إمكانية الاستماع  للأطراف[107] قبل البت في أمر الرفض أو القبول، وهذا  الاستماع يمكنه من تكوين قناعته بناء على الأسباب التي قد  يستخلصها من هذا الاستماع، إضافة إلى أنه يجب أن يخضع قرار المحافظ في هذا الشأن إلى الطعن وخصوصا قرارات الرفض لما فيها من إضرار بحقوق المتعرض، لأن منحه الفرصة للطعن سيبين ما إذا كان جديا في تعرضه أم أن الأمر عكس ذلك، ويتم هذا بفحص الحجج التي يستند عليها في تعرضه، وعندما يثبت للقضاء جدية مطلبه فإن هذا الضرر سيجبر بقبول التعرض وإلغاء قرار المحافظ بالرفض، وهذا ما سيضمن عدم إساءة استعمال السلطة المعطاة  للمحافظ العقاري.
وعموما فإننا نرى مع بعض الباحثين[108] بأنه لا يوجد مبرر معقول يمنع قبول التعرض مادام الرسم العقاري لم يؤسس بعد، خصوصا  وأن قبول التعرض لا يفيد إثبات الحقوق المدعى بها، وإنما يفيد وجود منازعة جدية لمطلب التحفيظ ويبقى القضاء هو من له الحق في تقرير صحة التعرض من عدمه.
وبالتالي فإن رفض المحافظ لتعرض ورد عليه خارج الأجل يجعله يمارس سلطة القضاء في تقرير الحقوق لأصحابها، وخصوصا إذا علمنا بأنه عند تأسيس رسم عقاري لهذا المطلب فإنه يستحيل على من كان يدعي حقا المنازعة في هذا الرسم. كما أن رفضه هذا قد يفسر بأنه امتياز لطالب التحفيظ الطرف المدلل في مسطرة التحفيظ في مواجهة المتعرض، وهو ما يبين مدى خطورة هذه السلطة التقديرية الواسعة التي قد تعصف بحقوق المتعرضين وتجعلها عرضة للضياع أمام نهائية الرسم العقاري.

الفقرة الثانية: إلغاء التعرض لعدم تقديم المستندات.

يستلزم تقديم التعرض الإدلاء بالبيانات والرسوم والوثائق التي يستند عليها المتعرض في ادعائه وكل الوسائل التي قد تقيده في إثبات حقه[109]، غير أن هذا الشرط ليس ضروريا إذ قد يتم قبول التعرض حتى ولو لم يتم الإدلاء بالمستندات والوثائق المؤيدة[110].
ومتى قدم التعرض بهذا الشكل الأخير فإنه يبقى على المحافظ  أن يوجه إنذارا للمتعرض يدعوه  فيه إلى تقديم  الحجج والوثائق التي تثبت حقوقه داخل أجل 3 أشهر، ويشعرهم بأن المحكمة لن تقبل منهم أي رسم أو وثيقة، وعند ما لا يستجيب لهذا الإنذار أو لم يثبت استحالة تقديمها، فإن للمحافظ أن يلغي تعرضه أو يحتفظ به[111]، اعتمادا على سلطته التقديرية، وهو ما أكده المجلس الأعلى في أحد قراراته التي  جاء فيها:”وحيث أن الفصل 31 من ظهير 9 رمضان 1331 يخول للمحافظ سلطة تقديرية  في قبول التعرضات أو اعتبارها ملغاة في حالة عدم الإدلاء بالوثائق المدعمة للتعرض، وعدم إثبات استحالة الإدلاء بها[112].
وقراره بالإلغاء يجب أن يكون معللا، لكن ما يلاحظ بشكل عام أن محافظي الملكية العقارية يقبلون إدراج التعرضات  ولو بدون وثائق  إذ يتجنبون اتخاذ مثل هذا القرار لخطورته ومساسه بحقوق المتعرض أحيانا، وكذلك تفاديا للطعن الذي قد يواجهون به[113].
وهذا ما نؤيده إذ أن مجرد أداء المتعرض للرسوم القضائية يدل على جدية مطلبه، وبالنظر إلى أن تقديم الوثائق في المرحلة الأولى أمام المحافظ قد يواجه بصعوبات  العثور عليها[114]، فقد يقوم خصم المتعرض  أو أحد من الغير بإخفائها حتى لا يظهر حقه على العقار، خصوصا عندما يكون المتعرض قاصرا وطالب التحفيظ  أحد أقربائه وهذا ما يتمظهر في البوادي المغربي.
وعند إلغاء التعرض من طرف المحافظ لعدم تمكن المتعرض من تقديم الوثائق المؤيدة لتعرضه، فإنه يقوم بتبليغ  هذا القرار للمتعرض ويخبره بأن له الحق في استئناف خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تبليغه القرار، وذلك بواسطة مقال استعجالي لدى المحكمة الإبتدائية التي يقع بدائرتها العقار وتبت المحكمة في القضيـة 
بصفة استعجالية[115]، وقرارها يكون قرارا مبرما ونهائيا ولا يقبل أي طعن[116].
وبالرجوع إلى مشروع التحفيظ العقاري لسنة 1997 يلاحظ بأنه كان أكثر دقة من ظهير التحفيظ العقاري حين ميز بين حالتين ، الأولى أن المحافظ لا يمكن له قبول طلب التعرض إلا إذا كان  مرفقا بجميع الحجج والرسوم المؤيدة لحق المتعرض، والثانية تتجلى في أنه إذا تبين له فيما بعد إنجاز عمليات التحديد أنها غير صحيحة حينئذ يمكنه أن يلغي التعرض ،وعلى عكس  ما يقضي به ظ.ت.ع في الفصل 25.
ونعتقد بأن المشروع قد جانب الصواب في هذه النقطة لأنه من شأن إعطاء السلطة الكاملة للمحافظ للتقرير في حقوق المتعرض أن يضر بحقوقه، خصوصا إذا علمنا في هذا الوقت كثرة  الملفات وتراكم القضايا أمام المحافظين الشيء الذي يجعل أمر مطابقة  المستندات أو التحقيق في شأنها أمرا شبه مستحيل أمام كثرة اهتمامات المحافظين ، وهو الأمر الذي تراجع عنه مشروع قانون 2007 المتعلق بالتحفيظ العقاري.
لكن مشروع 1997 كان أكثر حماية للمتعرض حين أكد على ضرورة تبليغ قرار المحافظ بإلغاء التعرض إلى المعني بالأمر برسالة مضمونة  مع الإشعار بالتوصل أو تسليمه مباشرة مقابل وصل[117] ،وهو ما يسمح بإعلام المتعرض بقرار المحافظ ومن تم عدم  حرمانه من الطعن فيه بانصرام أجل الطعن.
وتجدر الإشارة إلى أن الاجتهاد القضائي ساهم بشكل كبير في حماية المتعرضين عن طريق قبول وثائق ومستندات جديدة أمام المحكمة التحفيظ[118]. رغم أن نص الفصل 32 من ظ.ت.ع يقضي بغير ذلك،  وهو ما أكده المجلس الأعلى[119] عندما ذهب إلى أن:  “منازعات التحفيظ العقاري يطبق فيها الفقه الإسلامي وأن المحكمة  عندما استبعدت لفيف المتعرضين بحجة أنه أقيم بعد نشوب الخصومة تكون قد خرقت هذه المبادئ ،إذ أن الحجة تقام عادة وشرعا بعد تكليف المدعي بإثبات دعواه وأن اللفيف هو إحدى وسائل الإثبات الشرعية”.
وهذا ما يدل على الدور الكبير للاجتهاد القضائي في تطوير قانون التحفيظ العقاري ،الذي ظل جامدا لمدة تقرب نصف قرن خصوصا وان هذا النص وضع في ظرفية تاريخية الغاية الأساسية منها تغليب  مصالح  طلاب التحفيظ على مصالح المتعرضين.

الفقرة الثالثة: إلغاء التعرض لعدم تقديم الوجيبة القضائية.

حتى يتم قبول التعرض والإبقاء عليه إلى حين إحالته على المحكمة ، فإنه يشترط أداء رسوم معينة تسمى الرسوم القضائية ورسم الدفاع ،وتؤدي على كل تعرض من التعرضات على حدا بشأن نفس مطلب التحفيظ، وإذا كان المتعرض معسرا فعليه أن يطلب المساعدة القضائية[120].
وحيث جاء من الفقرة الرابعة من الفصل 32 من ظ.ت.ع أنه “يعتبر التعرض كذلك لاغيا إذا لم يؤد المتعرضون الذين لم يحصلوا على المساعدة القضائية أو لم يطلبوها على الأقل الوجيبة القضائية ورسم الدفاع المحددين في الظهير المتعلق بالمصاريف القضائية وذلك في نفس أجل الثلاثة أشهر”.
يستفاد من هذه المادة أنه في حالة عدم أداء هذه الرسوم فإنه التعرض يعتبر لاغيا أي أنه لا مجال لإعمال السلطة التقديرية للمحافظ في شأن الإلغاء لعدم أداء الوجيبة القضائية،  فالمفهوم من منطوق هذا الفصل أن الإلغاء يكون بقوة القانون.
وقد اختلف الفقه في شأن قابلية قرارات المحافظ في هذا الشأن للطعن حين انقسم إلى اتجاهين متعارضين. ذهب الأول وهو الغالب[121] إلى القول  بعدم قابلية قرار المحافظ بهذا الشأن للطعن سوء كان  إداريا أو قضائيا، ومنتقدا في نفس الوقت هذا المسلك حيث يذهب أحد أصحاب هذا الاتجاه[122] :إلى أن قرار المحافظ فيه شيء من الشطط بالنسبة للمتعرض الذي لم يستطع أداء  الوجيبة القضائية ولم يطلب المساعدة القضائية لأنه يجهل إجراءات الحصول عليها.
وقد تم تفسير نهائية قرار المحافظ بهذا الصدد وعدم قابليته للطعن بكون التعرض عبارة عن مقال افتتاحي للدعوى يتلقاه المحافظ وتؤدى عنه واجبات التقاضي شأنه شأن أي مقال افتتاحي  يتم تقديمه لدى كتابة الضبط[123].
أما الاتجاه الثاني[124] فيذهب إلى إمكانية الطعن في قرار المحافظ بالإلغاء حيث فسر الفقرة 32 من ظ.ت.ع تفسيرا يسمح بالطعن  في مثل هذا القرار، معتبرا أن هذه الحالة جاءت كسابقتها فيما يخص الطعن بالاستئناف المنصوص عليه في الفقرة الثالثة من نفس الفصل.
وإذا كان لنا من رأي فإننا نذهب مع أصحاب الاتجاه الأول لكون  الصيغة التي وردت بها عبارة “يعتبر التعرض كذلك لاغيا” لا تدل  لا على تفعيل السلطة التقديرية للمحافظ، ولا على إمكانية الطعن في  هذا القرار، فالإلغاء هنا يكون بقوة القانون.
إلا أن  قرار إلغاء التعرض لعدم أداء المصاريف يجب ألا يستند على مرور مدة الثلاثة أشهر من غير أداء ، وإنما يجب  أن يستند على شهادة التوصل بإنذار المتعرض  لأداء هذه الرسوم، وبالتالي فإن هذا التوصل وعدم الأداء إما أنه يفسر على أنه تخليا عن ممارسة هذا الحق، أو أنه إهمال متعمد لأداء الرسوم القضائية، وهو ما يمكن تفسيره بعدم جدية المنازعة من طرف المتعرض وهو ما يساهم بشكل كبير في الحد من التعرضات الكيدية، لأنه لا يمكن أن نقيس مبلغ 160 درهم قيمة هذه الرسوم  مع النتيجة التي سيجنيها المتعرض عند أداء هذه الرسوم والحكم له باستحقاق العقار ، متى كان تعرضه مؤسسا وجديا، خصوصا إذا علمنا بأن هذه الرسوم يتحملها في الأخير الطرف الخاسر للدعوى.
وبالتالي فحتى الانتقاد الذي وجه لعدم قابلية قرارات المحافظ بإلغاء التعرض لعدم أداء الوجيبة القضائية لأي طعن من طرف أصحاب الاتجاه الأول،   يبقى في اعتقادنا مجانبا للصواب في ظل تنامي التعرضات الكيدية، وإذا ما استند المحافظين في قراراتهم بالإلغاء على شهادة التوصل بالإنذار، وهو ما كان موضوع مراسلة مديرية المحافظة العقارية العامة بالرباط والتي جاء فيها “أن المحافظ يمنع عليه أن يلغي التعرض لكون صاحبه لم يتم إنذاره[125]. وهو ما أكدته أيضا محكمة الاستئناف في أحد قراراتها[126] عندما اعتبرت أن :” عدم أداء الرسم القضائي الخاص بالتعرض على مطلب التحفيظ لا يترتب عنه سقوط تعرض المدعين إذا تبين أنه ناتج عن إغفال المحافظ الذي لم يرسل في الوقت المناسب مبلغ الرسم الذي بعث به المتعرضون (إلى المحكمة )”.
ونذهب مع أحد الباحثين[127] فيما ذهب إليه إذ أنه كان حريا بالمشرع أن يوجد استثناء يخول بمقتضاه للمحافظ قبول التعرض في  الحالة التي يتأكد فيها بأنه يستحيل على المتعرض أداء المصاريف القضائية الواجبة كما هو الشأن عند تلقي تعرض بمقتضى رسالة من أحد أفراد الجالية بالخارج،وذلك حتى لا تكون هذه المصاريف رغم ضآلتها عرقلة في وجههم وفي وجه المعسر الذي يستحيل عليه استحالة مطلقة أداء هذه المصاريف ، ولقد أكد مشروع القانون المتعلق  بالتحفيظ العقاري لسنة 1997 في فصله 48 على أن هذه الواجبات تؤدى أمام المحافظ إذا كان الملف  بين يديه أو بصندوق المحكمة إذا أحيل عليها الملف للبت في التعرض. مما يعني بأن مسألة الإلغاء لعدم أداء الواجبات القضائية لم  تعد بيد  المحافظ ،بل أصبحت بيد القضاء وهو ما سيساهم في اعتقادنا في تنامي التعرض  الكيدي أمام المحافظ وبالتالي أمام المحكمة، خصوصا إذا علمنا بأن المحافظين على الملكية العقارية لا يلجئون إلى إلغاء التعرض لعدم تقديم الحجج مخافة الطعن في قراراتهم، وعدم الرغبة في الانجرار أمام المحاكم لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مدعى عليهم في مثل هذه القضايا .

المبحث الثاني:الدور الإيجابي للمحافظ في محاولة مصالحة الأطراف.

إن الأصل في مسطرة التحفيظ هي  أنها مسطرة إدارية قد تتخللها مرحلة قضائية في حالة وجود تعرضات لم يتم البث فيها إداريا، هذه الطبيعة التي تفرض على المحافظ القيام بدور إيجابي لمحاولة التسريع بالمسطرة، وإنهاء كل ما يمكن  أن يعرقل تأسيس رسم عقاري ،إلا أنه إذا كان يستطيع الحسم في بعض التعرضات وخصوصا عن طريق الإلغاء أو الرفض، فإن ذلك يتم من خلال عدم توفر شروط قبول  تلك التعرضات، إلا أن طلب التعرض قد يستجيب لكل الشروط اللازمة الأمر الذي يعجل  بقبوله وتسجيله بكناش التعرضات ،ورغم ذلك فإن محاولات البث في هذا التعرض لا تتوقف ، فإذا لم يقم طالب التحفيظ برفع التعرض[128] أو قبوله خلال المدة المحددة لذلك، وهي شهر من تاريخ إخطاره بالتعرض ولم يقم  المحافظ بإلغاء التعرض[129] فان المحافظ يباشر محاولة  للصلح بين الأطراف إذا كانت طبيعة النزاع تسمح بذلك .فما هي شروط التصالح؟ (المطلب الأول) وما هي القيمة القانونية للصلح عند نجاح المحافظ في إبرامه ؟ (المطلب الثاني).

المطلب الأول: شروط إجراء الصلح.

إن المحافظ لا يقوم بمحاولة إجراء الصلح إلا عندما تكون طبيعة النزاع تسمح بذلك بعد قبول التعرض واستجابة لكل الشروط الشكلية المتطلبة لقبوله وعجز طالب التحفيظ عن رفعه أو قبوله، ليبقى بإمكان المحافظ إما بمبادرة  منه أو بناء على رغبة الأطراف القيام بإجراءات الصلح (الفقرة الأولى) ،على أن يكون هذا الصلح في نطاق التعرض ومنهيا للنزاع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: وقوع الصلح بمبادرة من المحافظ أو الأطراف.

عندما لا يتمكن طالب التحفيظ من إزالة التعرضات أو لم يقبل بالتعرض  كلا أو جزءا و مرت فترة شهر من التبليغ بوقوع تعرض على ذلك، فإنه يسوغ للمحافظ قبل أن يوجه الملف للمحكمة أن يعمل على تصالح أطراف النزاع[130].
والمحافظ يتمتع بالسلطة التقديرية في إجراء الصلح من عدمه، وهو ما يستنتج من عبارة “يسوغ للمحافظ” الواردة غي نص الفصل 31 من ظ ت ع. وبالرجوع إلى النص الفرنسي فإنه يتضح كذلك من عبارة ” a le pouvoir “التي تعني حري بالمحافظ أن يعرض الصلح على الأطراف[131]، وهذا يدل أيضا على عدم إلزام المحافظ وإن كان النص الفرنسي أشد إلحاح من النص المغربي.
ويثار السؤال هنا  بخصوص مسؤولية المحافظ الذي لم يقم بعرض الصلح على أطراف النزاع؟.
أن هذا السؤال يقتضي طرح فرضيتين :الأولى تتمثل في عدم تبليغ  طالب التحفيظ بوقوع تعرض على مطلبه وفي هذه الحالة تثار مسؤولية المحافظ بخرقة لمقتضيات الفصل 31 من ظ.ت.ع.ومسؤوليته هنا لا تنبني على مقتضيات الفصل 97 من ظ.ت.ع بل تخضع للأحكام المنصوص عليها غي الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع والتي يتم التمييز فيها بين نوعين من الأخطاء الخطأ الشخصي الذي يتحمله المحافظ شخصيا، والخطأ المرفقي الذي تتحمله الإدارة، وتكون في هذه الحالة مسؤوليته مسؤولية شخصية عند وقوع ضرر لطالب التحفيظ من جرا ء هدا الإخلال [132].
أما الفرضية الثانية فهي تتجلى في قيام المحافظ بتبليغ طالب التحفيظ بوقوع التعرض لكنه لا يقوم بعرض الصلح على الأطراف وهنا لا تثار مسؤوليته لأن المشرع منحه السلطة التقديرية  في إجراء التصالح من عدمهنه ن.
ومبادرة الصلح قد تأتي من طرف المحافظ ، كما قد تأتي من الخصوم أنفسهم أي طالب التحفيظ أو المتعرض إذا رغبوا بالمبادرة التي ستجد استجابة من المحافظ العقاري وتشجيعه ، ويجوز أيضا للغير التدخل لإقامة هذا الصلح أو تهيئ الجو المناسب لإبرامه[133]. وعلى إثر ذلك يقوم المحافظ باستدعاء من يهمهم الأمر إلى جلسة الصلح بمكتبه، حيث ينبغي أن يبدل  غاية جهده قصد التوفيق بينهما وإن اقتضى الحال التوجه مع الفريقين إلى عين المكان لدراسة النزاع بكيفية أوفر وأبلغ دون أن يتحملوا أية مصاريفه[134] ،ويمكن للمحافظ حتى في حالة تقديم طلب عقد جلسة تسوية أن يرد هذا الطلب إذا وجد بأن النزاع لا يمكن تسويته بهذه الطريقة[135].
وهذه السلطة التي يتمتع بها المحافظة في إجراء المصالحة بين الأطراف هي ما كان محط انتقاد أحد الباحثات[136] والتي ترى بأن  هذا  دليل على تأكيد الصفة الإدارية لمسطرة التحفيظ، وهو اتجاه نحو إضفاء الصفة القضائية على السلطات التي يتمتع بها المحافظ وإظهارها على حساب صفة التسيير الإداري التي تطبع عمل الموظف العمومي بصفة عامة.
وما يلاحظ على المستوى العلمي أن المحافظين لا يلجأون لتفعيل هذه المؤسسة نظرا للصعوبات المطروحة منها كثرة القضايا المعروضة أمام المحافظ، وأيضا صعوبة إحضار الطرفين إلى المصلحة في نفس الوقت ،بل إنه حتى ولو تم استعمالها فإننا نعتقد بأنها لن تفضي إلى حل لأن العقار أصبح يشكل قيمة مادية ومعنوية كبيرتين في نفوس الملاكين مما يجعل تسوية الأمر حبيا أمرا في غاية الصعوبة، أمام تشبث كل طرف برأيه، وخصوصا عندما يستند كل طرف على حجج قوية.
ومن هنا فإن المبادرة إلى الصلح تتم من تلقاء نفس المتعرض عندما يتبين له أن مستنداته ضعيفة أومن تلقاء نفس طالب التحفيظ متى تبين له أن التعرض جدي قد يسفر إدا أحيل الملف على المحكمة عن تقرير الحق المنازع في شأن للمتعرض.
فالمحافظ إذن لا يتوفر على تلك السلطة المعنوية والإمكانيات المتعلقة بالوقت لإجراء الصلح بين الأطراف، وتبقى  للأطراف السلطة الفعلية في هذا الشأن رغم أن القانون يخوله هذه الإمكانية[137] بل إن المحافظين وتحت ضغط الإكراهات المذكورة قد لا يبلغون طلاب التحفيظ بوقوع تعرضات على مطالبهم ، الشيء الذي يطرح التساؤل حول خرقهم لمقتضيات المادة 311 من ظ.ت.ع.
والرأي فيما نعتقد أن على المحافظ أن يلجأ إلى محاولة إبرام الصلح حتى ولو تبين بأنه لن يكون الوسيلة الفعالة لتسوية النزاع، لأن دعوة الأطراف والاستماع إليهم من طرف  المحافظ يحدد النقاط المتنازع في شأنها ويبين مستندات كلا طرف . وبالتالي فإن تحرير محضر بفشل الصلح يتضمن النقاط المثارة عند اجتماع الأطراف بالمحافظ يساهم بشكل كبير في تنوير قضاة المحكمة في شأن النزاع عند إحالة الملف عليها قصد البت فيه.

الفقرة الثانية: أن لا يخرج محضر الصلح على نطاق التعرض وأن يكون

                                منهيا للنزاع.

إن اختصاص المحافظ العقاري مقيد بالنزاع القائم بين طالب التحفيظ والمتعرض إذ لا ينبغي أن يمتد اتفاق محضر الصلح إلى حقوق عينية لا يتضمنها طلب التعرض لأنه من شأن ذلك أن يعرض حقوق الغير للضياع، ويجعل بالتالي محضر الصلح خارجا عن الإطار المحدد له، فالغاية التي يتوخاها المشرع تتمثل في فض النزاع وتجنيب الأطراف المساطر القضائية والخسائر التي تنجم عنهما[138]، وليس إنشاء حقوق جديدة، لأن العقود تبقى هي المصدر الوحيد لإنشاء الحقوق ولا يدخل في اختصاص المحافظ تحرير العقود.
ويكون للمحضر الناتج عن هذه العملية قوة  ثبوتية تجاه أطرافه فهو ملزم لهما، ولا يمكن الطعن فيه إلا بما يطعن في العقد، فيجوز لهما أن يطعنا فيه بالإبطال لنقص الأهلية أو لعيب في الرضا، من غلط أو تدليس أو إكراه[139].
ولما كان الغرض من إجراء الصلح هو إنهاء النزاع والتسريع بإجراءات المسطرة فإنه لابد أن يكون هذا الصلح منهيا للنزاع فإذا كان جزئيا غير شامل  ولم يقضي على كل أسباب الخلاف موضوع التعرض فإن المحافظ العقاري لا يمكنه القيام به وهو غير مختص به[140].
والمحكمة عليها أن تتأكد من كون المحافظ تحرى عن شخصية الأطراف وعن هويتهم ، وما إذا كان أحد المتعرضين قاصرا فإلى وليه يرجع حق إبرام عقد الصلح ، أما إذا تضمن محضر الصلح تنازلا لفائدته فلا حاجة لوليه، لأن ذلك يعد من الأعمال النافعة له نفعا محضا[141] ، وهو الأمر نفسه بالنسبة لأراضي الجماعات السلالية التي تمارس عليها وصاية وزارة الداخلية، وبالتالي فإن كل تنازل أو  مصالحة في هدا الإطار يستلزم الموافقة من الوزارة الوصية.
وتبقى للقاضي الرقابة على المحافظ حيث يتحقق من كون المحافظ قد التزم الحياد في تحريره لمحضر الصلح وأنه لم يحاب طرفا على حساب الآخر[142].
وهذه الرقابة لا يتم تفعيلها إلا من خلال الطعن في محضر الصلح الذي يعد من تجليات دور المحافظ الإيجابي في حماية الملكية، إذ يتعين عليه القيام بالعديد من التحريات والتحقيقات قصد الوقوف على كل الجوانب المتعلقة بموضوع  النزاع، وقصد الوصول إلى صلح عادل يعطي كل ذي حق حقه.

المطلب الثاني: القيمة القانونية لمؤسسة الصلح

يهدف إجراء الصلح من طرف المحافظ أثناء المرحلة الإدارية للتحفيظ إلى تجنب ما أمكن تعقيدات وطول المسطرة القضائية ،إضافة إلى  أن الصلح يكون مرضيا للطرفين معا عكس الحكم الذي لا يكون إلا في صالح أحد الأطراف، وكما قيل “صلح خاسر خير من دعوى رابحة” فإجراءات الدعوى وأتعاب المحامين والوقت الذي يستلزمه صدور حكم نهائي قد يتجاوز قيمة الحق المدعى به، فبسلوك طريق الصلح يتم الوصول إلى حل سريع  لمختلف النزاعات. إلا أن هذا لا يتحقق إلا بوجود حجية أمام الأطراف لهذا المحضر (الفقرة الأولى). وإن كان المشرع يبتغي من خلقه مؤسسة الصلح كل هذه الأهداف فهل فعلا تساهم هذه الأخيرة في ضمان الحماية لحقوق الأطراف وبالتالي الملكية العقارية؟ (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حجية محضر الصلح.

تختلف الوثيقة الرسمية عن الوثيقة العرفية، في أن الأولى يجب أن يتم تحريرها من طرف موظف عمومي في نطاق اختصاصه، وأن يراعى في تحريرها الشروط القانونية اللازمة من تاريخ وتوقيعات وجميع البيانات التي يجب أن تشغلها الوثيقة[143].
أما الوثيقة العرفية فيمكن تحريرها سواء من قبل الأطراف أو الكتاب العموميين أو كل شخص ليس له الصفة لتحرير الأوراق الرسمية، أو عندما يختل احد الشروط المتطلبة في هذه الأخيرة ، وكيفما كانت اللغة التي كتبت بها ولا قيد عليها سوى أن تكون حاملة لتوقيعات الأطراف .
وإذا نظرنا لمحضر الصلح نجد أنه يحرر من طرف موظف عمومي ويدخل في اختصاصه ويشمل التاريخ وكافة البيانات المتوفرة في الوثيقة الرسمية، لأن دور المحافظ هو إثبات ما تلقاه من اتفاق بين الأطراف في هذا المحضر إلا أن المادة 31 من ظ.ت.ع نجدها تضفي على هذا المحضر طابع الوثيقة العرفية[144].
وبالتالي فالمشرع ورغم توفر شروط إضفاء الصبغة الرسمية على هذا المحضر، فإنه اختار أن يعتبره مجرد ورقة عرفية ليس إلا. ونعتقد بأن المشرع سلك هذا الاتجاه ليمنح للأطراف إمكانية الطعن في هذا المحضر وعدم إعطائه حجية رسمية لا يمكن الطعن فيها إلا بالتزوير وهو ما نؤيده على خلاف أحد الفقهاء[145] نظرا للقيمة الكبيرة التي تنتج عن هذا المحضر ولأن إمكانية الطعن فيه تجعل  المحافظ أكثر تحريا وأكثر يقضه عند استماعه للأطراف وعند تضمينه لهذه الاتفاقات في المحضر.

الفقرة الثانية: دور مؤسسة الصلح في حماية الملكية.

لعل الوسيلة الأصلية لحل نزاع عقاري تتجلى في عرض القضية على العدالة لتقول كلمتها. إلا أن المشرع المغربي رجح كفة الصلح بتوفير كل الإمكانيات للمتخاصمين في قضية تحفيظ عقاري ،لتجنب ما أمكن الوصول إلى المرحلة القضائية، والتي تتسم بالتعقيد وطول المساطر المتبعة للبث في النزاع خاصة إذا علمنا أن هبة  القضاء ووقاره تساهم في استفحال  ظاهرة الرجوع إلى القضاء لفك النزاع حتى ولو كانت الأسباب واهبة وغير معقولة لأن القضاء محط ثقة واحترام المتقاضين.
وبذلك يعتبر الصلح آلية من أنجع الآليات القانونية للحد من الدعاوى الكيدية في مرحلة متقدمة من عملية التحفيظ.
فالصلح فرصة حقيقية للمتعرضين للاتفاق مع طالب التحفيظ على حل وسط قد يرضيهما معا ، كما أنها فرصة للمتعرضين ذوي النيات السيئة للعدول عن دعواهم والتزام جانب الحق والابتعاد عن نوايا التكدير الذي لا أساس له ولا طائل يرجى من ورائه[146].
ويلتزم المحافظ بدور إيجابي، إذ لا يكتفي فقط بالنصح المجرد عن البيان إذ أنه يبين موقفه بخصوص التعرض المعروض عليه، ويذكرهم بمقتضيات الفصل 48 من ظ.ت.ع،  وهو ما يشكل حافزا قويا للمتعرضين على تقدير الأمور حق قدرها الشيء الذي يوفر لهم اتخاذ القرار المناسب على ضوء البينة التامة من نقط النزاع[147].
وتتجلى منافع التوفيق بين طرفي النزاع في:
-أن الاتفاق بين الفريقين أسهل من عرض الدعوى على المحكمة لتسوية الخلاف القائم بينهما، فالحكم مهما كان صحيحا فإنه لا يرضي دائما أحد الفريقين ولو كان مخطئا بكيفية  صريحة في حين أن التوفيق يصلح بين الطرفين ويجعل حدا للنزاع القائم بينهما.
-أن اللجوء إلى مسطرة الصلح يوفر على المتنازعين صوائر المرافعة القضائية وأتعاب المحامين وهدر الوقت.
– أن مسطرة الصلح أسهل الوسائل استعمالا للتعجيل بتسليم رسم عقاري نهائي إلى صاحبه[148].
ونعتقد بأن إعطاء حجية عرفية لمحضر الصلح رغم توفر شروط منحه حجية الورقة الرسمية فيه فائدة للأطراف معا، وذلك بإمكانية الطعن فيه ، عكس الوثيقة الرسمية التي لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور ، فمتى رأى أحد الطرفين بأن محضر الصلح حرر على غير ما تم الاتفاق عليه، أو أنه اكتشف بأنه كان ضحية غبن أو تدليس أو غلط، فإن بإمكانه أن يطعن في محضر الصلح.
وهذا ما يساعد على تحقيق الملكية وتحفيظ العقار في اسم مالكه الحقيقي.تن يبدل

خـاتمة :

يستخلص من هذه الدراسة مدى الأهمية الأساسية التي تحضى بها مؤسسة التعرض في حماية الملكية العقارية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإثارة المنازعة والمطالبة بالحقوق أثناء سريان مسطرة تحفيظ عقار ما ، وما دام أن الملكية العقارية تشكل أهم الثروات التي يمكن للإنسان أن يرتكز عليها لتحقيق تنمية اقتصادية خصوصا في الآونة الأخيرة، إذ أصبح العقار يشكل لب الحياة الاقتصادية والاستثمارية والقانونية بل وحتى السياسية . وهذا ما يزد في ضرورة الاهتمام بحماية الملكية من خلال مؤسسة التعرض .
ولقد تبين من خلال هذه الدراسة أن مسطرة التحفيظ تختم بقرار إداري نهائي لا يقبل الطعن بأي وجه من الوجوه ، وهذا ما يعطي أهمية أساسية لمرحلة ما قبل اتخاذه إذ يجب أن تكون مرتكزات هذا القرار مبنية على أساس سليم .
ولقد تبين أن هناك مجموعة من العوائق التي لا تزال تحول دون أن تبلغ مسطرة التحفيظ هدفها التطهيري والإشهاري ، ولقد آن الأوان بانتهاء الحقبة التاريخية التي وضع فيها قانون التحفيظ العقاري وانتهاء الخلفية المتحكمة في صنع نصوصه ، وهي تفضيل مصالح طلاب التحفيظ ( المعمرين ) على مصالح المتعرضين ( السكان الأصليين ) لمراجعة هذا القانون وملائمته مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبنية العقارية بالمغرب .
ومن أجل ذلك فإنه يجب إدخال العديد من التعديلات على بعض النصوص حتى يتمكن هذا القانون من أداء الدور الذي قرر لأجله ففي هذا الإطار فإننا نتقدم بالمقترحات التالية :
– إعفاء المتعرض الذي يكون بيده العقار المقدم في شأنه مطلب التحفيظ من عبء الإثبات لأن الحيازة والتصرف هي الأصل وهي التي تدل على الملك حسب ما هو سائد لدى عموم الأفراد.
– توفير وسائل إشهار مناسبة والتي من خلالها يتم إعلام كل ما يمكن أن تمس مصالحه بتقديم مطلب التحفيظ ، ونعتقد بأن تمكين أعوان السلطة المحلية المتمثلة في المقدمين من خلاصات مطالب التحفيظ والإعلانات عن انتهاء التحديد هو الكفيل بتحقيق هذا الهدف باعتبار المعرفة الشخصية التي تكون لهم سواء بطلاب التحفيظ أو بالأشخاص الذين يمكن أن تمس مصالحهم بهذا المطلب.
– التقليص من سلطات المحافظ في اتخاذ القرارات بشأن التعرضات وذلك بإلزامه بتعليل كل قراراته مع السماح بإمكانية الطعن فيها.
– وضع استثناءات على الأثر التطهيري في حالة استعمال الطرق غير القانونية لتأسيس الرسم العقاري ، مع الاحتفاظ على هذا الأثر نظرا لمساهمته الفعالة في تحقيق استقرار المعاملات.
– تفعيل مؤسسة الصلح وجعلها مسطرة إجبارية خاصة في المرحلة الإدارية لما في ذلك من دور مهم في الحد من الدعاوى الكيدية والحيلولة دون وصول النزاع إلى المحكمة والتي قد تجمد هذه المسطرة لمدة طويلة .
– إعطاء الصلاحية للمحكمة في الترجيح بين حجج طالب التحفيظ والمتعرض طبقا لقواعد الفقه الإسلامي باعتبار أن العقار في طور التحفيظ يظل خاضعا لقواعد الفقه الإسلامي وهذا ما يساهم في أن تكون نظرة القضاء نظرة شمولية حول الملف .
ولعل من شأن إدخال هذه المقترحات على قانون التحفيظ العقاري أن يساهم حسب اعتقادنا في أن تلعب مسطرة التحفيظ دورها الأساسي في تحقيق الملكية وأن يكون لمؤسسة التعرض الدور الأبرز والدرع الواقي لحماية الحقوق من الضياع .

التعرضات وحماية الملكية العقارية أثناء المسطرة الإدارية للتحفيظ التعرضات وحماية الملكية العقارية أثناء المسطرة الإدارية للتحفيظ بواسطة المكتبة القانونية في 11:00:00 م تقييم: 5
يتم التشغيل بواسطة Blogger.