التداعيـات السلبيـة للعقوبـات السـالبة للحريـة القصيـرة المـــدة

للعقوبـات السـالبة للحريـة

ذ رضوان الصيكوكي 

حاصل على شهادة الماستر في حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني وباحث في حقوق الانسان




إن التطور الحاصل على مستوى السياسة الجنائية المعاصرة لم يعد يعتبر العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة غاية لإيلام الجاني ومعاقبته، بل تعتبر وسيلة فقط لإصلاح المجرمين وتقويم اعوجاجهم والعمل على تحسين مستواهم الخلقي والمعنوي، تمهيدا لإعادتهم مواطنين صالحين نافعين[1].

ولا تقتصر فقط على تحقيق هذا الهدف وإنما تتوخى أيضا تحقيق الردع كسلاح أساسي في يد السياسة الجنائية لمواجهة الظاهرة الإجرامية.

 غير أن الواقع التطبيقي للعقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة أثبت أن هذه الأخيرة لم تستطع تحقيق الأهداف السامية للسياسة الجنائية المعاصرة[2]، بحيث لم تكن ذات جدوى في تحقيق الردع (المبحث الأول)، كما أنها ترتب مساوئ مما جعلها تسير بنتائجها عكس ما وضعت من أجله (المبحث الثاني).

المبحث الأول : عـدم جـدوى العقوبـات السـالبة للحريـة القصيـرة المـدة فـي تحقيــق الــردع  

لعل الاستنتاجات المتوصل إليها في مؤتمر الأمم المتحدة الثاني عشر للوقاية من الجريمة، المنظم بالبرازيل في أبريل 2010 تؤكد بشكل جلي على أن العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة لم تعد قادرة على تحقيق الردع.
ومرد ذلك حسب الورشة التي نظمت تحت عنوان "العوامل الرئيسية التي تساهم في تطور الاكتظاظ السجني".، هو أن السياسات الجنائية تمنح مكانة مبالغا فيها للعقوبات دون التمكن من التقييم الصحيح لآثارها. وكذلك التشجيع على اللجوء إلى التدابير السالبة للحرية وغيرها[3]، خصوصا وأن قصر المدة يؤثر على وظيفة العقوبة (المطلب الاول) كما أن العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة تعد السبب الرئيسي في اكتظاظ المؤسسات السجنية (المطلب الثاني).

المطلب الاول : تأثيـر قصـر المـدة علـى أداء وظيــفة العقــوبة  

إن المتفق عليه لدى فقه القانون العقابي أن عقوبة الحبس قصيرة المدة أضحت عاجزة على تحقيق وظيفة الإصلاح والتأهيل الذي تقوم عليه السياسة العقابية الحديثة، فمدتها لا تكفي لتعيد برامج التهذيب وإعادة الإدماج بانتظام وعلى فترات، مما يجعلها تستغرق مدة أطول تعجز العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة احتواءها[4].
وإذا كان التأهيل والإصلاح[5] داخل المؤسسات السجنية يلعب دورا وقائيا يحول بين الفرد والإقدام على الجريمة ويعمل على ترقيته، فإن هذا التأهيل والإصلاح لا يتلاءم البتة مع نوعية العقوبة المحكوم بها، وهي العقوبة القصيرة المدة.
وتقوم الفكرة الأساسية لتحقيق الردع العام على مواجهة الدوافع الجرمية لدى الأفراد بعدة وسائل، ومن أهم تلك الوسائل العقوبة السالبة للحرية. وبطبيعة الحال هذه الدوافع موجودة لدى أغلب الناس. وتتمثل في صورة استعدادات نفسية كامنة في النفس البشرية، فإذا ما صادفت أجواء مناسبة، خرجت تلك البواعث في صورة إجرام حقيقي فتكبح العقوبة جماحها خشية وخوفا من الألم الذي تتضمنه، وتبرز أهمية الردع كمردود للعقوبة بأنه يشكل إنذارا للناس كافة[6].
غير أنه قد أدرك الباحثين في علوم الاجتماع والقانون والفقه الجنائي أن أي عقوبة لكي تحقق الهدف المتوخى منها لابد من أن تكون ملائمة للفعل الجرمي، وهذا ما لا نجده في الكثير من الجرائم المحكوم فيها بعقوبات سالبة للحرية قصيرة المدة "حوادث السير مثلا". فقد يكون الضحية هو من عرض نفسه للخطر مثلا.
وأيضا لتحقيق الإصلاح والتعلم والردع لابد من توفر بعض الشروط ومنها طول مدة السجن لتنفيذ البرامج الإصلاحية.
كما ثبت أن قصر مدة العقوبة جعل منها عاجزة على تحقيق فكرة الردع الخاص، إذ أصبحت المؤسسات العقابية اليوم بعد تطوير الإمكانيات المتاحة للمحبوسين عبارة عن ملاجئ يستغلها بعض المجرمين لاستراحة وتعليم أساليب الجريمة للنزلاء المبتدئين.
إذ كيف يمكن أن تحقق الردع عقوبة مقدارها مثلا سنة أو سنتين لمجرم عائد كان قد قضى أكثر من مرة عقوبة تتجاوز السنتين. فهذا النوع من المجرمين سيرتكب أحيانا جرائم بسيطة والتي تكون عقوبتها قصيرة المدة من أجل العودة إلى المكان الذي ألفه ويعرف كيف يتمتع بوقته هناك.
كما لا تفيد العقوبة في تحقيق الردع العام كما تم القول فقصر المدة يثير الشعور بالاستهجان والاستهانة بهذه العقوبة[7].
وأيضا العقوبة في حد ذاتها رغم ضرورتها، لا تفيد في شيء وبخاصة إذا تعلق الأمر بفعل إجرامي حدث وانتهى، فهي على سبيل المثال لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل وقوع الفعل الجرمي، ومن هنا اكتست قاعدة العقوبة صفتها المستقبلية. أما المستفيد من هذه المنفعة فينبغي أن يكون بالدرجة الأولى المجتمع بأسره، ثم بعد ذلك الفرد الجاني نفسه[8].
وعليه فإن العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة باتت من نقط الضعف ومواطنه في السياسة الجنائية المعاصرة مما يستدعي ضرورة إحداث نظام بديل يتماشى والتطور الذي يستمده العالم على شتى المستويات والأصعدة.
وليس هذا فقط بل نجد أن العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة سبب رئيسي في اكتظاظ المؤسسات السجنية.

المطلب الثاني : العقـوبة السـالبة للحريـة القصيـرة المـدة سبـب اكتظـاظ السجــون  

فبالنظر إلى التطبيقات الكثيرة للعقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة في المجال القضائي والتي يعود السبب فيها إلى التضخم التشريعي في مجال القوانين العقابية بالإضافة إلى النصوص التي تنص على العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة. ونفس الشيء بالنسبة لبعض القوانين الخاصة التي غالبا ما لا تتجاوز مدة العقوبات المنصوص عليها الخمس سنوات، هذا بالإضافة إلى إعمال بعض المبادئ العامة كفكرة الظروف والأعذار المخففة التي تؤدي إلى النزول بعقوبة الحبس إلى حدود دنيا[9].
كل ذلك ساهم بشكل منطقي في زيادة عدد الأحكام المنطوق بها بعقوبة الحبس قصير المدة.
هذا وقد أثبتت ذلك الإحصاءات التي يجريها المركز الكندي للإحصاءات القانونية أن الأحكام التي تتضمن عقوبات الحبس قصيرة المدة تحتل المراتب الأولى، فقد شكلت عقوبة الشهر حبس على الأقل 50% من العقوبات السالبة للحرية المنطوق بها خلال سنتي 2007 و2008، كما وصلت في نفس السنة عقوبة الحبس أكثر من شهر وأقل من ستة أشهر 31%[10].
وبالطبع ساهمت هذه النسبة في زيادة عدد نزلاء المؤسسات السجنية، إذ سجلت مثلا في إنجلترا سنة 2010 أكثر من 65 ألف محبوس وبلغ العدد في اليابان أكثر من 59 ألف، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فوصل العدد إلى مليون سجين.
ولما نجد أن العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة تأخذ القسط الأوفر من حيث عدد المساجين، فإن هذه العقوبة أصبحنا نتغنى بمساوئها أكثر من محاسنها. إذ أن لهذا الاكتظاظ آثار على نظام المجتمع، جعلت هذا الأخير يفضل مصلحته في عدم تنفيذ مثل هذه العقوبات أحسن من تنفيذها، إذ أن زيادة المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية يعني ازدياد معدلات الإنفاق. وهذا ما يرهق كاهل ميزانية الدولة من حيث ضرورة إيواء هؤلاء المحكوم عليهم ببناء مؤسسات عقابية جديدة[11].
ويزداد الطين بلة عندما نجد معظم المحكوم عليهم بعقوبة الحبس القصير المدة هم من مجرمي الصدفة، الذين لا يتمتعون بالشخصية الإجرامية بل أن إجرامهم غالبا ما يكون بسبب ظروف متعلقة بالمهنة أو أي نشاط اجتماعي آخر. وهو ما يؤدي إلى تعطيل الإنتاج والإحالة الإجبارية للبطالة التي يدفع المجتمع ثمنها المزدوج عند تواجد المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية.
كما أن ظاهرة الاكتظاظ تجعل من تطبيق مقاييس الرقابة والتنظيم أمرا مستحيلا سواء من ناحية تطبيق برامج التأهيل بسبب الضغط الذي تعاني منه هذه المؤسسات[12]. مما يؤدي إلى فشلها وضعف فعاليتها. والأخطر من ذلك من ناحية أخرى ظاهرة تكدس المؤسسات السجنية تؤدي إلى عدم القدرة على تصنيف المحبوسين وفق المعايير الدولية والمحددة في القوانين المتعلقة بأنظمة معاملة المساجين، وهذا ما أدى إلى انتشار ظاهرة الاختلاط داخل هذه المؤسسات، بما لها من آثار صحية ونفسية تؤثر بالسلب على قدرة العقوبة على أداء وظيفة الردع الخاص والحد من ظاهرة العود إلى الجريمة.
وبالإضافة إلى ما سبق ليس فقط العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة فقط وحدها ما يكدس المؤسسات العقابية بل حتى بعض التدابير والإجراءات المسطرية منها على سبيل المثال الاعتقال الاحتياطي الذي نجده بمثابة النقطة السوداء في المسطرة الجنائية، بحيث يتم اللجوء إليه في أحيان كثيرة رغم أن مساوئه قد تفوق الحبس القصير المدة، بل الأكثر من هذا هو أنه في بعض الأحيان تفوق مدته بعض العقوبات المحكوم بها، وهذا بطبيعة الحال ستكون له آثار وخيمة على الفرد والمجتمع في آن واحد.
وعليه فإعادة النظر في السياسة العقابية في هذا الباب أمر مستعجل سواء المتعلق بالاعتقال الاحتياطي أو العقوبات القصيرة المدة، نظرا لما لذلك من سلبيات، فعند تكدس السجون تهضم حقوق السجناء وتكثر العدوى ويسهل انتقالها ويسهل تعلم الإجرام والانحراف باحترافية وتضرب البرامج الإصلاحية عرض الحائط.
كل هذا وغيره يؤدي حتما إلى نسف الهدف المتوخى من العقوبة الذي هو الإصلاح والتأهيل.

المبحث الثاني : مسـاوئ العقـوبة السـالبة للحريـة القصيـرة المــدة 

بالإضافة إلى كون العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، ذات آثار وخيمة على المحكوم بها، سواء الآثار النفسية والعضوية أو الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لا تخلو أيضا من مساوئ أخرى. فطالما نادت السياسة الجنائية بضرورة تبني عقوبات تجمع بين الإصلاح والردع، وأيضا أن تتلاءم هذه العقوبة وطبيعة المؤسسات العقابية، فالغرض من هذه الأخيرة حسب السياسة الجنائية المعاصرة هو إصلاح وتأهيل الجناة وهذا ما لا يتماشى مع العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، أي أن هذه الأخيرة لا تتلاءم وطبيعة المؤسسات العقابية.
بل يذهب البعض إلى اعتبار العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة تفقد المؤسسات السجنية هيبتها، بحيث لا يجب أن يلج لها إلا المحترفين للإجرام بغية تقويمهم[13].
أما الجانحين أو المخالفين للقانون فلا فائدة من دخولهم السجن، ما دام أن العقوبة التي سيحكم بها ستكون قصيرة المدة، مما يجعلها تركز على الجانب الردعي دون الإصلاحي. وفي هذا الأمر تكمن مخاطر عدة وسلبيات كثيرة (المطلب الأول)، وأيضا تشكل العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة عقبة في وجه المؤسسات العقابية مما يحول دون تحقيق الأغراض والأهداف المرجوة من المؤسسات العقابية فتتقلب من مؤسسات للإصلاح وإعادة الإدماج إلى مؤسسات لتكوين المجرمين (المطلب الثاني).

المطلب الاول : التركيـز علـى الجـانب الردعـي دون الإصلاحــي  

إن من المساوئ والسلبيات التي لا يمكن الاختلاف حولها بالنسبة للعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، هو كونها تركز على الردع أكثر منه على الإصلاح، خصوصا وأن المتعارف عليه هو أن البرامج الإصلاحية تأخذ حيزا من الزمن، وهذا ما لا يتماشى ونوعية العقوبة.
وقد يبدو غريبا وجود خلاف فقهي شديد حول الهدف الإصلاحي للعقاب كون هذا الهدف يمثل الجانب الأخلاقي والوجه المشرق للعقاب لما له من اهمية في القضاء على الخطورة الإجرامية ومنع المجرم من سلوك سبيل الجريمة.
ولعل هذا الخلاف مرده إلى كونه ليس كل من ارتكب جريمة يحتاج إلى إصلاح وتهذيب، إذ أن كثير من الأشخاص يقدمون على الجريمة نتيجة انفعال أو عاطفة، وسرعان ما يندم هؤلاء على أفعالهم مدركين خطأهم.
غير أنه لا يجدي الردع الخاص[14] مع طوائف أخرى كثيرة من المجرمين كأصحاب السوابق الإجرامية الذين عكروا حياة السجون والإصلاحات بدءا بالمدارس الإصلاحية للأحداث وصعودا إلى السجون، وأولئك المجرمين المصابين بأمراض عقلية أو أولئك المجرمين المحترفين الذين يتخذون الجريمة حرفة أو مهنة أو أولئك الذين يرتكبونها كهواية، أو غيرهم من المجرمين الذين لا يشعرون بمسؤوليتهم الشخصية تجاه الإجرام حيث يلقون مسؤولية جرائمهم على المجتمع بذريعة عدم عدالته. وهذه الطبقة من الفئات الإجرامية تمثل أبرز العقبات في سبيل إصلاح المجرمين وتقويمهم[15].
لذى من اللازم أن يتم التركيز على التأهيل والإصلاح وأن يتم توفير جميع الإمكانات لذلك، لأنه رغم الشعار التي ترفعه الدول على أن المؤسسات العقابية أصبحت تتوخى الإصلاح، إلا أنه من الناحية العملية يصعب قول ذلك أو تصديقه، لأن فكرة الإصلاح هاته تطبق داخل السجن ومن خلال إجراءات قمعية لا يمكن أن تتيح أية فرصة لنجاح العملية الإصلاحية، ذلك أن حياة السجن ومجتمعه وثقافته هي من أبرز العوائق التي تحول دون نجاح عملية إصلاح المجرمين[16].
وعليه فقد انحرفت السجون في تحقيق أهدافها عن مسارها الطبيعي. ومن ثم أصبحت النظرة الحالية لها تنطلق من اقتناع مؤداه أن السجون لم تعد ذات فاعلية في تقويم المنحرفين أو تقويم السلوك المنحرف، بل أنها صارت أماكن لتفريج السلوك المنحرف عوضا عن أن تكون السجون مؤسسات اجتماعية لإصلاح وتهذيب سلوك المنحرفين والخارجين عن قوانين المجتمع. وخير دليل على ذلك ارتفاع نسبة العود بين المفرج عنهم، حيث تصل في غالبية الإحصائيات إلى 70% من نزلاء السجون بالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكثر بلدان العالم اهتماما بالجوانب الإصلاحية.
وفي بريطانيا وصلت نسبة العود إلى 50% من الرجال المساجين و40% من النساء المسجونات و65% من الشباب.
وتأكيدا لما سبق أشارت إحدى الدراسات العلمية إلى أن أغلب ما يسمى بالجرائم بالصدفة يتحول إلى جرائم الاحتراف، فعلى سبيل المثال لوحظ أن أصحاب الجنح الأخلاقية تحولوا إلى جرائم السرقة، ومن هؤلاء 69%تحولوا إلى جرائم المخدرات و45%تحولوا إلى جرائم القتل والسرقة، وكل ذلك يعود إلى مجتمع السجن وثقافته السفلية التي تعلم أساليب الإجرام[17].
وعليه فللتغلب على مساوئ السجن وسلبيات العقوبة[18] يجب أولا أن لا تركز على كل ما هو ردعي مئه بالمائة وأن تنهج وتتبنى اتجاه إصلاحي بديل، ولما لا يخضع لاتخاذ تدابير بديلة من حيث أمكنة تطبيق العقوبات خصوصا القصيرة المدة نظرا لما للسجن من آثار سلبية على برنامج الإصلاح.
وأن تتخطى برامج الإصلاح أبواب السجن وتنفتح على المجتمع نفسه حتى لا يشعر المعاقب بكونه عدوا للمجتمع وللكل. خصوصا وأن طغيان مطلب الحراسة في السجون فوق كل المطالب الإصلاحية، وهذا كله قد يؤدي إلى نتائج عكسية. بل الواقع أثبت أن العقوبات الحبسية القصيرة المدة وصلت إلى سقف مغلق وأن المؤسسات العقابية لم تستطع تحقيق الهدف المنشود منها.



المطلب الثاني : إخفـاق المؤسسـات العقـابية فـي تحقيـق الإصـلاح والتأهيـل  

انطلاقا من عنوان المطلب وبناءا على ما سبق يتضح جليا المقصود هو أن المؤسسات السجنية والتي من المفروض أن تكون في درجة مؤسسة تحارب الجريمة والإجرام وتعيد تأهيل ساكنتها ليكونوا صالحين، تبين لنا العكس، خصوصا في العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة بحيث أصبحت المؤسسات السجنية أو العقابية تؤخر أشخاصا ليكونوا مجرمين بالخبرة، عوض أن كانوا مجرمين لسبب معين إما اجتماعي أو عاطفي أو بالصدفة .. .
ولعل السبب في هذا يعود بالأساس إلى الصعوبات التي يواجهها العمل الإصلاحي في السجون بالنسبة للمحكومين بعقوبات سالبة للحرية قصيرة المدة.

أولا : صعوبــات تنظيــمية  

إذ أن الظروف التي يجري فيها تطبيق برنامج الإصلاح تتضمن صعوبات تعيق إنجاح هذا النظام أو البرنامج الإصلاحي.
  1. الصعوبات المتعلقة بطبيعة الأعمال أو المهن المتوفرة داخل السجن، بحيث تكون مخالفة في الغالب لما كان يزاوله المستهدف قبل السجن[19].
  2. الصعوبات المتعلقة بعدم استخدام وسائل حديثة في المؤسسات السجنية مثلما هو متوفر في الخارج.
  3. الصعوبات المتعلقة بأماكن التنفيذ التي تعيق تنفيذ هذه البرامج الإصلاحية، وهي من أهم الصعوبات لأنه لا يمكن أن نصلح حتى الأبناء في ضوء العنف والحراسة المشددة، فما بالك بالأغيار الذين يكون لهم أصلا بعض المشاكل الاجتماعية أو النفسية، بل وفي الغالب لا يكون هناك اهتمام بنفسية المستهدفين، مما يجعل أمر الإصلاح شيئا شبه مستحيل[20].


ثانيا : صعوبــات اقتصــادية  

كما هو معلوم أن أي برنامج سواء تعليمي أو إصلاحي أو علاجي فهو يتطلب موارد اقتصادية ضخمة لتنفيذه.
وهذا يتطلب منا الوقوف والتأني في الدور المنوط بالمؤسسات العقابية، بحيث أوكلت لها هذه المهام كلها وأصبحت مطالبة بتعليم وإصلاح وعلاج المرضى بحيث أصبحت كل القوانين سواء الوطنية أو المواثيق الدولية تنص على عرض السجناء على أخصائيين في الأمراض التي يعانون منها، وهذا يجعلنا نستنتج أن المؤسسات العقابية يجب أن تخصص لها ميزانيات كبيرة وضخمة لتنفيذ برامجها.
وهذا فعلا شيء صعب خصوصا عند الدول الفقيرة أو النامية، مما يجعل تلك البرامج المسطرة والمعلنة لا ينفذ منها إلا القليل ونتائجها تبقى جد محدودة وضئيلة.

ثالثا : صعوبـات متعلقـة بالمـوارد البشريـة  

كما هو معلوم أنه مهما توفر من إمكانات مالية، ومهما وضع من نصوص قانونية فلن يؤتي ذلك أكله إلا بوجود عنصر بشري مؤهل ويعرف ما له وما عليه، بحيث في الغالب لا نجد موظفين تتوفر فيهم الشروط المطلوبة للتعامل مع النزلاء ولا سيما وأن السجناء بحاجة إلى أهل الاختصاص  ليخرجونهم من دوامة الجريمة والإجرام إلى تحقيق دور في المجتمع وإعادة توازنه النفسي والبدني، والكشف عن المواهب والطاقات واستغلالها عوض تركها تتفجر في صورة التمرد والإخلال بالنظام العام والإضرار بالمجتمع.
لذا ظل من المسلم به الآن في ظل السياسة الجنائية إعادة النظر في مسألة العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، أولا لفشلها الدريع في تحقيق الغاية منها المتمثلة في الإصلاح والتأهيل وتحقيق الردع الخاص والعام.
ثم لما لها من نتائج وخيمة متمثلة في إنتاج مجرمين ذوا احترافية ومهنية إن صح التعبير. وهذا راجع لعدة أسباب كما سبق القول، منها القانونية، أي النص الذي يحمل عقوبات قصيرة المدة دون أن يحدث بديلا لهذه العقوبة أصبح بدوره يشكل عائقا في وجه السياسة العقابية.
ثم المشكل أو السبب المتعلق بالمؤسسة العقابية التي نجدها غير منفتحة على الخارج ولا زالت في الغالب تتبنى الطرق التقليدية في العقاب، كالانغلاق، وتشديد الحراسة، والتعامل بانتقاص مع النزلاء، والسماح باختلاط ساكنة السجن مما يوسع من الثقافة السفلية وانتشار الفكر الإجرامي بين ساكنة السجن.
فكل هذه الأسباب وغيرها تجعلنا نقف وقفة تدبر بغية تغيير واقع هذه السياسة والسير نحو تبني بدائل للعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، نظرا لما للأولى من آثار سلبية وخيمة، وما للثانية من إيجابيات ونتائج.

التداعيـات السلبيـة للعقوبـات السـالبة للحريـة القصيـرة المـــدة التداعيـات السلبيـة للعقوبـات السـالبة للحريـة القصيـرة المـــدة بواسطة المكتبة القانونية في 11:25:00 ص تقييم: 5
يتم التشغيل بواسطة Blogger.