السراح المؤقت والواقع العملي



بقلم ذ عبد المجيد خاشع
محامي بهيأة البيضاء

الاعتقال الاحتياطي يمس بالحرية الفردية ويتعارض مع مبدأ البراءة كثيرا ما تقدمت بطلبات السراح المؤقت إيمانا مني باستحقاق متهم ما الإفراج عنه، وكثيرا ما رفضت المحاكم طلباتي، في حين صدرت أحكام أو قرارات بالموافقة على الطلب على رؤوس الأصابع.
لماذا لا يتم منح السراح المؤقت رغما عن وجود دواعيه، ألم يقل لنا بأن المسطرة الجنائية تصدرت بين دفاتها المادة الأولى التي نصت على ما يلي:
"كل مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضى به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، ويفسر الشك لفائدة المتهم".
في حين أن المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة نص على هذا المبدأ منذ 1948-12-10. ألم يقل لنا، بأن المسطرة الجنائية جاءت بإيجابيات جديدة أعطاها المحامون أكثر مما تستحق.
وهل السراح المؤقت مقابل الإجراءات المسطرية في قانون المسطرة الجنائية مجرد أكذوبة؟
الجواب بالنفي لأن المشرع المغربي أعطى للمواطنين المغاربة حقوقا لم يكن منصوص عليها سابقا.
وهكذا جاء بعدة مواد أخص بالذكر منها:
المادة 178- المادة 180 - المادة 181 - المادة 160 - المادة 161.
ولأول مرة في تطور القانون المغربي نجد مجرد مبادئ تشريعية وقع رفعها الى مصاف المبادئ الدستورية مع ما يترتب عن ذلك من نتائج.
وأن الدستور الجديد جمع عن حق بين قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، كما فعلت ذلك المسطرة الجنائية.
ويتعين الاشارة الى أن المادة 178 ق. م.ج في فقرتها الرابعة أعطت إمكانية للنيابة العامة أن تلتمس في كل وقت وحين الافراح المؤقت...
فهل تعمل النيابات العامة على تفعيل هذا المقتضى؟
إن المشرع المغربي أعطى ترسانة قوية هي المسطرة الجنائية، وهي دستور المحاكمة العادلة، ولم تكن أكذوبة، بل واقعا يتطلب ممن يطبقونه أن يكونوا في مستوى المسطرة الجنائية.
إن الاعتقال الاحتياطي يمس بالحرية الفردية ويتعارض مع مبدأ البراءة، على اعتبار أنه يستمر في حرمان المتهم من حريته قبل صدور الحكم النهائي في حقه، فهو بمثابة عقوبة عن مجرد اتهام قد ينتهي بالبراءة، وأن إطلاق سراح المتهم هو مؤقت.
في المغرب دخل قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ منذ مدة ليست باليسيرة، وأعطى المشرع سواء لقاضي التحقيق أو قضاء الموضوع عدة امكانيات بديلا للاعتقال الاحتياطي حددها على سبيل الحصر في الوضع تحت المراقبة القضائية.
وفي بعض الاحيان نجد بأن الأطراف أبرمت صلحا ومع ذلك لا يتعامل القضاء بإيجابية مع هذا المعطى. 
فقد سبق أن أشار المشرع المغربي في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية الحالي، الى الجنح التي يمكن فيها اجراء صلح، إذ جاء في المادة 41 من المشروع أن الجرائم التي يجوز التصالح في شأنها هي الواردة في الفصول التالية: 404-401-400-263 الفقرة الأولى، 570-553-551-547-542-540-533-532-526-522-
506-482-480-479-477-476-468-447-443-442-441-429-427-425  من القانون الجنائي، وأضاف اليها الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط المنصوص عليها سواء بالقانون الجنائي أو القوانين الجنائية الخاصة.
وبالمقارنة ما بين نص المشروع والنص النهائي بعد المصادقة عليه من طرف البرلمان بواسطة مجلسيه، يتبين بأن العديد من الجرائم التي جاءت في نص المشروع، قد تصل العقوبة الحبسية  من ثلاث إلى عشر سنوات، كما في الفصول 401-404-425-441-447-477-524-525-526-540-542-547-553، وهي تشكل في أفعالها خطورة أكثر من الجرائم المنصوص عليها في بقية الفصول المذكورة، كما أنه بالنسبة للغرامة التي أقرها الفصل 41 من المشروع لم يحددها لا بالأدنى ولا بالأقصى واكتفى بالقول.... الجنح المعاقبة بالغرامة فقط.
مميزات السراح المؤقت
إذا كان القصد من الاعتقال ردع وتهذيب المنحرفين، فانه، إذا أابلغ أكثر من المناسب، انقلبت النتائج التربوية المتوخاة إلى نتائج سلبية وسيئة على عقلية وصحة السجين.
كم من حالات، أمكن فيها اجتناب، حتى الحراسة النظرية، سيما إذا كان الشخص المتهم أو المشبوه في أسره يتمتع بجميع الضمانات للحضور، ولا يخشى اختفاؤه، وكانت ظروف البحث وذيول القضية، لا تستدعي بتاتا الاحتفاظ به، وذلك على اعتبار أن إبقاءه رهن الاعتقال ولو ليلة واحدة يسيء إلى حالته وحالة عائلته.
إن الصلاحيات المخولة للنيابة العامة بمقتضى القانون، تكمن في حرص المشرع على أن يكون الإقدام على الاعتقال الاحتياطي تدبيرا حكيما يحفظ التوازن الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع والمتهم الذي هو جزء من المجتمع.
الاعتقال الاحتياطي تدبير استثنائي
إن المشرع الفرنسي نص في المادة 144 من قانون الاجراءات على أن الاعتقال الاحتياطي يكون مبررا، اذا كان هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على الأدلة أو لمنع الضغط على الشهود واتفاقات الغش والتدليس بين المتهم وشركائه.
ولابد من الرجوع إلى المنشور رقم 19 الذي صدر عن وزير العدل المرحوم علي بن جلون بتارخ 1957-12-11 أي بعيد حصول المغرب على الاستقلال، ووقتها لم يكن موضوع الاعتقال الاحتياطي على ما هو عليه الآن، ومع ذلك أصدر الوزير منشورا، أكد فيه على ما يلي:
"قد يكون الاعتقال الاحتياطي الوسيلة العادية والفعالة للوصول الى الغايات التالية"
-
منع المجرم من الفرار من يد العدالة
- منعه من اتلاف وسائل اثبات مسؤوليته.

-
 وضعه في حالة يتعذر معها عليه العود إلى الجريمة إلا أن هذه الوسيلة السهلة هي ذات خطورة استئنافية لأنها لا تخرج عن كونها سلبا للحرية الفردية قبل صدور أي حكم.
وإنما أشير بنوع خاص إلى أن الاعتقال الاحتياطي هو دائما أمر اختياري.
ويتعين البحث عما اذا كان للظنين موطن معروف، وإذا كان يمارس مهنة ما بكيفية منتظمة، وإذا كان رب عائلة وإذا كان مجرما للمرة الأولى، وبصفة عامة تبحث جميع المعلومات التي يمكن جمعها أثناء التحقيق أو بواسطة بحث لهذه الغاية".
الإفراج المشروط بأحد التدابير المنصوص عليها في المادة 161 ق.م.ج
إذا كان عمل النيابة العامة ابتدائيا واستئنافيا يتصف بضيق الوقت لفحص المستندات والوثائق، ومن ثمة إحالة المتهمين في حالة اعتقال، فإن عمل قضاء الموضوع غير ذلك.
إن المشرع سمح لقضاة الموضوع أن يمنحوا الإفراج المؤقت مقابل واحد أو أكثر من التدابير المنصوص عليها في المادة 161 ق.م.ج، كما أعطى امكانية في المادة 182 من القانون نفسه للسلطة التي أمرت بالتدابير السالفة الذكر، أيا كانت أن تعدلها أو تراجعها في كل وقت تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو من الطرف الذي يعنيه الأمر.
إن الوضع تحت المراقبة القضائية له نفس الدور والوظيفة للاعتقال الاحتياطي، ويهدف الي النتيجة نفسها ويضعها المشرع في الإطار نفسه.
بل إن مشروع مسودة قانون المسطرة الجنائية الحالي يؤكد في المادة 160 على ما يلي: «يعتبر الوضع تحت المراقبة القضائية بديلا عن الاعتقال الاحتياطي...»
المادة 175 ق.م.ج من المشروع المتعلق بالمسطرة الجنائية نصت على أن الاعتقال الاحتياطي تدبير استئنافي لا يلجأ إليه في الجنايات أو الجنح المعاقب عليهما بعقوبة سالبة بالحرية إلا إذا تعذر تطبيق تدبير آخر بديل عنه، وفي جميع الأحوال، فإن الاعتقال الاحتياطي يجب أن يكون معللا بمقتضى قرار يبين فيه القاضي الأسباب المبررة للاعتقال، ودواعي تعذر تطبيق بدائل الاعتقال الاحتياطي»
على القضاء الجالس في المادة الجزائية أن يأخذ العبرة من تصور المشرع إلى ما يصبو إليه حين يسطر مشروع مدونة جديدة لقانون المسطرة الجنائية.
ذلك أن الهدف الذي يصبو إليه المشرع إنساني أولا وأخيرا.
يلاحظ الجميع أن رفض السراح المؤقت لبعض الأظناء الذين يعتبرون وعن حق أن طلباتهم جدية وتتوفر فيها كل المعطيات القانونية والضمانات، يكون التعليل فيه منعدما بالمرة، وهذه الحيثية لا تكون وسيلة للطعن.
هل الأمر يتعلق بالخوف من المجهول أمام حالة منح السراح؟ أم أن في الأمر تأويلا خاطئا عن قصد تفاديا للقيل والقال.
لنا قضاة في مستوى المسؤولية وهم قلة، والنادر لا حكم له، وفي بعض الأحيان، يمنحون السراح المؤقت بدون طلب أي طرف، بل قد يعمدون إلى مطالبة أحد أعضاء الدفاع، ولو أنه لا ينوب، من أجل التقدم بهذا الطلب، خاصة إذا علمت الهيأة القضائية أن المتهم الذي أمامها قد أمضى سنتين أو ثلاث سنوات أمام غرفة الجنايات، دون صدور أي قرار في الموضوع، وأن القرار سيكون السجن لمدة 3 سنوات أو أقل.
أملي أن يلقى هذا المقال آذانا صاغية من أجل تطبيق المسطرة الجنائية لا أقل ولا أكثر.
علينا جميعا أن نتخلى عن فكرة أسهل الطرق هي رفض الطلب، بل ان الدفاع تكون دائما طلباته وهو واقف، معللة وتضم قرارات اجتهادية، ووثائق تجعل من المستحيل أن يرفض طلبه، في حين يقتصر عمل النيابة العامة على ملتمس فريد قصير «رفض الطلب» ليصدر قرار قصير أيضا رفض الطلب.
فهل انتهى دور الدفاع وهل انتهى مبدأ السراح ضدا على ما سطره المشرع في قانون المسطرة الجنائية.
أنا الدفاع أقول أنا محكوم علي بالمرافعة (je suis condamné à plaider). وسأبقى كذلك لأنها رسالتي المقدسة، ولن يثنيني عنها رفض طلبات السراح ضدا على القانون.
السراح المؤقت والواقع العملي السراح المؤقت والواقع العملي بواسطة المكتبة القانونية في 12:23:00 ص تقييم: 5
يتم التشغيل بواسطة Blogger.